المهندس عامر الحباشنة
ليست الحرب الدائرة اليوم مجرد جولة في صراع طويل، وليست اختبار قوة عابر بين أطراف متنازعة؛ إنها، ببساطة، لحظة الحسم في الوعي الإيراني… لحظة تُختبر فيها الدولة لا كقوة إقليمية، بل ككيان مهدد في جوهره. إيران لا تقاتل لتحسين شروطها، بل لتفادي انهيار نموذجها بالكامل
منذ نشأتها الحديثة، لم تعرف إيران استقرارًا سياديا حقيقيا. قبل الحرب العالمية الأولى كانت ساحة نفوذ روسي-بريطاني، وخلالها كانت دولة بلا قرار. وبعدها، أُعيد تشكيلها وفق توازنات دولية اقتطعت منها وأعادت تركيبها. ومع الحرب العالمية الثانية، لم تكن أكثر من قطعة لا نفوذ لها على رقعة صراع دولي
ثم جاء عهد الشاه، حيث قدم لإيران دور “شرطي المنطقة” تحت المظلة الغربية؛ دور وفّر لها استقرارًا مصطنعا، لكنه قيدها بوظيفة لا بهوية خلال الحرب الباردة
إلى أن الثورة الإيرانية بقيادة الخميني والتي لم تكن مجرد تغيير نظام، بل كانت انقلابًا على الوظيفة والدور معا. من “دولة تُستخدم” إلى “دولة تُصدّر نفسها”. منذ تلك اللحظة، لم تعد إيران تقبل أن تكون داخل حدودها فقط؛ فإما أن تتمدد… أو تبقى تحت خطر الدور الوظيفي الدولي، هكذا فهمت ولذلك استراتيجيتها القادمة على قاعدة راسخة واضحة
أبعد المعركة عن الداخل… أو ستصل إليك حتمًا،أو لنقل حارب حروبك خارج أرضك لتحميها.، لهذا خاضت حربها الأولى مع العراق، لا لتنتصر فقط، بل لتؤسس للقاعدة والاستراتيجيةالجديدة. ولهذا تمددت في لبنان، وسوريا، واليمن، والعراق عبر اذرع وتسويات معقده، لا حبًا بالنفوذ فقط، بل خوفا من الانكشاف الداخلي. أما القضية الفلسطينية، فلم تكن مجرد تعاطف ورافعه؛ بل كانت بوابة شرعية ومسرحًا مثاليا لبناء النفوذ تحت عنوان المقاومة ونصرة الشعوب.،ولعقود طويلة، نجحت المعادلة الإيرانيةاستراتيجا : فكلما اشتعلت المنطقة… بقي الداخل الإيراني آمنا موحدا،وبقي الدور الإقليمي فاعلا وقائما
لكن هذه المعادلة بدأت بالانهيار. فالربيع العربي الذي مارست خلاله ادوارا مهما لم يكن كما بدى فرصة لإيران، بل فخا استنزفها انخرطت به بعمق خاصةالملف السوري، وتوسعت أكثر مما تحتمل وخرجت بتوافق دولي أخرجها من المولد السوري بلا حمص ، وايقنت أنها ربطت أمنها الداخلي بساحات مضطربة بطبيعتها ورمالها متحركة
ثم جاءت الضربة الأوضح: ما بعد السابع من تشرين الأول. حيث تراجعت ساحات النفوذ، تصدعت الأذرع، وبدأت الجغرافيا التي حمت إيران تتحول إلى عبء عليها. سوريا ليست كما كانت، لبنان يترنح، اليمن مكلف، والعراق لم يعد مضمونا بالكامل
ببساطة
الجدران التي بنتها إيران حول نفسها… بدأت تتهاوى
وهنا تظهر الحقيقة التي حاولت إيران تجاوزها، فأصبح المطلوب اليوم من إيران ليس تعديل سلوكها، بل تقليصه وإعادتها إلى داخل حدودها وتجريدها من دورها. وهذا، بالنسبة لها، ليس خيارا يمكن التفاوض عليه بل نقطة البداية للانهيار والانكفاء الداخلي
لأن الانسحاب من الإقليم لا يعني خسارة نفوذ فقط، بل يعني فتح أبواب الداخل على احتمالات الانفجار. إيران تعرف جيدا عندما تتراجع في الخارج… تبدأ بالتآكل في الداخل
لذلك، فإن هذه المواجهة ليست مغامرة، بل ضرورة وجودية. ستخوضها إيران لأنها لا تملك رفاهية عدم خوضها. الانتصار فيها وإن كان جزئيا يعني تثبيت نفسها كرقم صعب وشريك مفروض. والخسارة تعني بداية تفكك بطيء… لكنه حتمي. أما الصمود دون هزيمة، أو انتصار فسيكون بالنسبة لها كالانتصار، لأنه يمنحها فرصة إعادة التموضع وربما القبول بحدود الاشتباك المقبولة
الخلاصة القاسية: هذه ليست حرب نفوذ وحدود فقط … بل حرب بقاء، ومعركة تعريف للدولة نفسها. إنها فعليا أول معركة تُفرض على إيران على أرضها منذ ثمانية عقود من الأمان النسبي
ولهذا… لن تتراجع. لن تساوم بسهولة. ولن تتردد في الذهاب إلى أقصى مدى وبأي ثمن إقليمي ، لأن البديل، ببساطة… هو الانكشاف والعودة للحدود، ويقال أن الدول لا تنتحر بقرارات الحروب ، لكنها قد تسقط حين تفقد قدرتها المناورة وتهزم من داخلها
إيران التي عرفناها لن تكن تلك بعد هذه الجولة من الحرب والصدام، وهي تعي أنها تقاتل معركتها المصيرية كدوله وسيرتها خلال عقود تشير إلى قدرتها على الاستدارة وإدارة الصراع، فهل هي معركة المصير أم جولة نتائجها إعادة ترتيب الأوراق والنفوذ
في الختام، هذا المقال لا علاقة له بتفاصيل الحرب اليومية ولا يسع الوقت للحديث عن المتغيرات المرتبطة بدول الإقليم العربي والخليجية منهآ خاصة فذاك عامل مهم وله حديث أخر
ولله الأمر من قبل ومن بعد

Leave A Comment

ركن الفكر للثقافة

مؤسسة فردية غير ربحية نسعى لخدمة المجتمع وتلمس احتياجاته والتوعية بقضاياه فكريا و اعلاميا و ثقافيا.