بقلم: أسامة أبو طالب

من الواضح أن بعض “المنشغلين بالوطنية الموسمية” قرروا هذه الأيام أن يحوّلوا عدساتهم – بدلًا من توجيهها نحو الاحتلال – إلى الأردن. نعم، الأردن! البلد الذي لم تغب عنه القضية الفلسطينية منذ كانت قضية، ولم يتأخر عن غزة يومًا، ولا احتاج لدورة تدريبية في النخوة

المزعج لهؤلاء ليس أن الأردن مقصر – لأن الحقيقة أنه ليس كذلك – بل لأن الأردن، ببساطة، يفعل. يتحرك. يرسل. يتكلم. يقف. ولذلك يزعجهم. يزعجهم أن المستشفى الميداني الأردني قائم في غزة منذ سنوات قبل أن يتذكروا أسماء أحياء القطاع. تزعجهم طائرات الإغاثة الأردنية التي لم تهدأ، لأن ضجيجها يُغرق صمتهم

جلالة الملك عبدالله الثاني لم ينتظر الضوء الأخضر من أحد، ولم يقرأ النص من ورقة أحد. مواقفه الواضحة تفضح رمادية المواقف الأخرى. يخاطب العالم بلغته، ويحرج المتخاذلين بثباته. بينما الآخرون يكتبون بيانات بلا معنى، نحن نكتب التاريخ بالمواقف

أما الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، فحدّث ولا حرج. مؤسسة تُنجز بصمت، تعمل بمهنية، وتتحرك بسرعة، حتى باتت نموذجًا يُحتذى. ومعها، مؤسسات أهلية، جمعيات، غرف تجارية وصناعية، مواطنون عاديون… وطن بأكمله انتفض لغزة، لا لأجل الصورة، بل لأجل الواجب

لكن في المقابل، هناك “نقّاد الأداء الإنساني من خلف الشاشات”، الذين لا نعرف لهم أثرًا في ساحة العمل، إلا التغريدات المتشنجة والمقالات المليئة بعبارات منزوعة الكرامة. هم لا يقدمون البديل، بل يهوون الطعن في كل من يحاول أن يكون جزءًا من الحل. ولأن الأردن حاضر، قرروا أن يكونوا هم الغائبين… الصاخبين

نصيحة أخيرة لهؤلاء: راجعوا أرشيف هذا البلد. افتحوا دفاتر الكرامة. اسألوا العراقي، والسوري، واليمني، واللبناني، والفلسطيني، وكل من مرّ بهذا الحمى الطيب. سيقولون لكم: الأردن لا يرفع صوته، لأنه مشغول برفع الآخرين

دعوا الأردن وشأنه. هذا بلد لا يُزايد… لأنه ببساطة، لا يحتاج إلى تبرير مواقفه، بل أنتم من يحتاج إلى تفسير صمتكم

Leave A Comment

ركن الفكر للثقافة

مؤسسة فردية غير ربحية نسعى لخدمة المجتمع وتلمس احتياجاته والتوعية بقضاياه فكريا و اعلاميا و ثقافيا.