
رواية «المهطوان» للكاتب والروائي الأردني رمضان الرواشدة، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت في أوائل 2022 وأصدرتها في العام نفسه دار الفارس للنشر والتوزيع في عمّان في طبعة ثانية (112 صفحة من الحجم المتوسط)
الرواية ليست مجرد سرد لتفاصيل حياة شخصية، بل هي سيرة وعي متأرجح بين الذات والوجود، يتشكل في تقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، وفي احتكاك الذات بالعاطفة والوجودي. فالرواية لا تقوم على منطق الحبكة التقليدي أو العقدة والحل المألوفة، بل على تفكك زمني مقصود يجعل من الاسترجاع والتداعي والانكسار الداخلي أدوات أساسية لبناء المعنى، بحيث يصبح القارئ شاهداً على رحلة تكوين الذات واستمرار البحث عن الانسجام بين الحلم والواقع
البطل/ الراوي «عودة»، الملقب بـ«المهطوان»، لا يُقدَّم كبطل ملحمي أو شخصية مكتملة المعالم، بل بوصفه كائنا حيا يتشكل داخل النص عبر ذاكرته، خيباته، أحلامه المؤجلة، ومراجعاته الداخلية المستمرة. كل فصل من فصول الرواية يضيف طبقة جديدة إلى فهمه، ويحوّل القارئ من مجرد مراقب إلى مشارك في عملية اكتشاف الذات عبر الذاكرة والتأمل في الواقع المعاصر. من هنا، تتحوّل الرواية إلى نصّ عن التحول والتشكّل النفسي والوجداني أكثر مما هي نص عن المصير أو الأحداث المعيارية، كما أنها تطرح السؤال بدل تقديم الجواب، مما يجعل القراءة تجربة فلسفية بقدر ما هي تجربة روائية
•دلالة العنوان: «المهطوان» كرمز لا كلقب
عنوان الرواية ليس مجرد اختيار شكلي، بل رمز مركب يحمل طبقات متعددة من المعنى. فـ«المطهوان» لا يشير إلى مجرد لقب أو وصف جسدي، بل يمثل ثقل الوجود الذي يحمله البطل: ثقل الجسد، ثقل الفكر، وثقل الانتماء. الشخصية، بهذا المعنى، هي شخصية «ثقيلة» بمعناها الرمزي: محمّلة بتاريخ شخصي وعاطفي، بحب لم يكتمل، بأحلام متشابكة، ووعي مبكر بعبثية العالم ومحدودية الإمكانات الفردية
العنوان هنا لا يكتفي بتسمية الشخصية، بل يؤطّر موقعها في العالم: شخصية أكبر من محيطها، أو غير متوافقة مع إيقاع الواقع، مما يجعلها عرضة للعزلة، وللتأمل الداخلي، وللانكسار الصامت أحياناً. بهذا تصبح الرواية قراءة للوجود الفردي في مواجهة التعقيدات الاجتماعية والثقافية، وتحويل الشخصية إلى رمز عام يمكن أن يُقرأ على مستوى الوعي الجمعي والمآلات الإنسانية
• البنية السردية: تفكيك الزمن وهيمنة الذاكرة
تعتمد الرواية على بنية سردية غير خطية، حيث يتقدّم الماضي على الحاضر وتتداخل الأزمنة دون فواصل واضحة. الذاكرة هنا ليست مجرد أداة تقنية، بل هي فضاء سردي قائم بذاته، يُعاد فيه ترتيب الأحداث وفق منطق الشعور والانفعال الداخلي لا وفق منطق التاريخ أو التسلسل الواقعي للأحداث
هذا التفكيك الزمني يعكس حالة البطل النفسية بدقة؛ فالحاضر هش، مرتبك، وغير قادر على إنتاج معنى مكتمل، بينما الماضي، على الرغم من قسوته، يبدو أكثر كثافة ووضوحاً، ويمثل المرآة التي يعكس فيها البطل ألمه وانكساره وأحلامه المؤجلة. بذلك، تتحول الرواية إلى مساءلة ضمنية لفكرة التقدم نفسه، وكأنها تقول إن الزمن الحديث لا يسير دائماً إلى الأمام، بل يدور حول جراحه ومفارقاته، وحول الوعي المأزوم الذي يصنعه الجمع بين الحلم والواقع. وفي هذا السياق، تصبح الذاكرة أداة مقاومة داخلية، تتيح للبطل مواجهة متغيرات الحياة وإعادة ترتيب تجربته الشخصية، مما يعزز من كثافة البعد النفسي للرواية
• البعد الاجتماعي والسياسي: من الأيديولوجيا إلى الخيبة
يحضر البُعد الاجتماعي والسياسي في الرواية لا بوصفه خطاباً مباشراً أو موقفاً معلناً، بل كتجربة شخصية تحمل في طياتها التأمل والخيبة. انخراط البطل في العمل المجتمعي، والتحديات التي يواجهها في إطار محيطه، والانكسار الناتج عن اصطدام الطموحات الفردية بواقع الحياة المعقد، كلها عناصر تُقدّم بنبرة تأملية وحزينة، أقرب إلى المراجعة الداخلية منها إلى المديح أو التمجيد
الرواية هنا لا تقدم وعداً بالخلاص، لكنها تعكس التشظي الداخلي الذي يعيشه الفرد في مواجهة الإخفاقات الكبرى، مع الحفاظ على مسافة نقدية رفيعة: نقد للفكرة التي لم تتحقق، نقد للجماعات التي خابت، ونقد للذات التي آمنت أكثر من اللازم. هذه القراءة تجعل الرواية مقاماً للتأمل في العلاقة بين الطموح والخيبة، بين الرغبة في الإصلاح والتعقيدات الواقعية، دون أي انحياز شخصي أو تجريح مباشر لأي موقع رسمي، مع تسليط الضوء على تجربة الفرد في مواجهة التحديات الاجتماعية والثقافية المعقدة، مما يجعل الرواية تجربة إنسانية وفكرية عميقة في آن واحد
• الحب والمرأة: العاطفة كامتداد للهوية
تمثل علاقة البطل بـ«سلمى» مفتاحاً لفهم البنية الرمزية للرواية. فالحب ليس ملاذاً شخصياً بقدر ما هو مرآة للهوية والانتماء والذاكرة. المرأة في الرواية ليست مجرد موضوع رغبة، بل فضاء معنى تتقاطع فيه العاطفة مع القضية، والجسد مع الذاكرة، والخاص مع العام
هذا التداخل يمنح العلاقة بعداً إنسانياً عميقاً، ويحولها من أي إسقاط رومانسي مبتذل إلى عنصر أساسي في قراءة الصراع الداخلي للبطل. من خلال هذه العلاقة، تطرح الرواية سؤالاً كبيراً: هل يمكن للعاطفة أن تستمر أو تنجو في عالم يعج بالخيبات والاحتكاكات الواقعية؟ الرواية لا تجيب بشكل مباشر، لكنها تترك السؤال مفتوحاً، مؤلماً، وصادقاً، مما يعزز من عمق القراءة النفسية والاجتماعية للنص، ويجعل الحب امتداداً للوعي والبحث عن الانسجام الداخلي، ويضيف بُعداً إنسانياً إلى السياق الروائي بأكمله
• اللغة والأسلوب: اقتصاد التعبير وعمق الدلالة
لغة الرواية مشدودة ومقتصدة لكنها ليست فقيرة. هي لغة تعرف متى تصمت ومتى تلمّح بدل أن تصرّح. الجملة غالباً قصيرة أو متوسطة الطول، محمّلة بالإيحاء، بعيدة عن الزخرفة المفرطة، وقريبة من نبرة الاعتراف الداخلي
الكاتب يستخدم شعرية خفية داخل السرد، لا من خلال الاستعارات الثقيلة، بل عبر الإيقاع الداخلي، والتكرار الدلالي، والتوازي الشعوري بين الشخصيات والمواقف. وهذا ما يمنح النص كثافته، ويجعل القارئ شريكاً في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍ سلبي له، ويحوّل النص إلى تجربة قرائية تشارك في تشكيل الوعي والخيال مع البطل، مما يزيد من قيمة الرواية على صعيد التأمل الذاتي والاجتماعي، ويجعل قراءة النص تجربة مؤثرة وثرية بالاستبطان
• الرواية وسؤال الإنسان العربي المعاصر
في عمقها، «المطهوان» رواية عن الإنسان العربي الذي كبر قبل أوانه، عن جيل حمل الأسئلة الكبرى باكراً واستُنزف قبل أن يكتمل. إنها رواية عن جيل آمن بالتغيير واصطدم بجدار الواقع، لكنه لم يتحول إلى كائن عدمي، بل إلى شاهد حزين وواعٍ على التناقضات المجتمعية والتجربة الفردية المعقدة
بهذا المعنى، تتجاوز الرواية خصوصية المكان والشخصية، لتصبح نصاً عن الخذلان الحديث، عن العلاقة بين الحلم والهزيمة، وبين الوعي والألم، وعن القدرة على الاستمرار رغم كل الإحباطات. كما أنها تُبرز المرونة الإنسانية في مواجهة الإخفاقات والتحديات، وكيف أن الفرد يظل يبحث عن معنى حياته وسط التغيرات الاجتماعية والثقافية، وتتيح للقارئ فرصة التأمل في صراع الإنسان بين الطموح والواقع، بين الأمل والخيبة، بين الفرد والمجتمع
• الخلاصة النقدية
“المهطوان» ليست رواية سهلة، ولا تكافئ من يبحث عن الحكاية الجاهزة. إنها رواية تفكير وتأمل، نص يراكم الأسئلة بدل تقديم الإجابات، ويعتمد على التوتر الداخلي لا على الحدث الخارجي. قوتها في صدقها، وفي قدرتها على تحويل التجربة الفردية إلى مرآة لوعي جمعي مأزوم، مع احترام التجربة الشخصية للبطل
إنها رواية تقول، بهدوء مؤلم، إن الهزيمة ليست دائماً في السقوط، بل أحياناً في النجاة الناقصة، في التكيف مع الواقع دون التنازل عن الحلم الداخلي، مما يجعلها نصاً حياً وذاكرة مستمرة للمخزون النفسي والاجتماعي للجيل الذي تمثله، وتجربة روائية عميقة تعكس تركيبة الإنسان العربي بين الأمل والخيبة، بين الفرد والمجتمع، بين الحلم والواقع. كما أنها تمنح القارئ فرصة التأمل في الروابط بين الوعي الفردي والجماعي، وبين التجربة الشخصية والسياق المجتمعي الواسع

