
اسامة ابو طالب
في الأزمنة القديمة، كان “الأراجوز” جزءاً من مشهد شعبي بسيط؛
شخصية تُستخدم للضحك والتسلية، تحرك رأسها يميناً ويساراً، وتقول ما يضحك الأطفال ويخفف عن الناس شيئاً من تعب الحياة
أما ما نراه في عوالمنا اليوم
فالأراجوز لم يعد مجرد شخصية مسرحية.
لقد تطوّر، وارتدى صفات رسمية، وحمل ألقاباً مختلفة، وأصبح موجوداً في كل مكان تقريباً
لكن الفرق أن أراجوز الأمس كان يبحث عن ضحكة الناس
أما أراجوز اليوم… فيبحث عن هزّة رأس من مسؤول
تراه يتقن الانحناء أكثر من إتقانه للعمل
ويجيد التصفيق أكثر من الإنجاز،
ويملك قدرة مذهلة على تغيير مواقفه بسرعة تفوق تحديثات التطبيقات
فإن غضب المسؤول… غضب
وإن ضحك… ضحك
وإن قال الأبيض أسود، خرج علينا ليشرح فلسفة “السواد المضيء”، ويقنع الناس أن المشكلة ليست في اللون… بل في ضعف فهمهم للألوان!
المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه الشخصيات
فلكل زمان مهرجوه ومصفقوه
لكن الخطورة تبدأ حين يتحول المشهد بأكمله إلى مسرح كبير
وتصبح الكفاءة مصدر إزعاج
والصراحة وقاحة
أما التطبيل… فيُقدَّم على أنه “حنكة إدارية” و”فهم للمشهد”
وفي زمنٍ استُسهل فيه الكلام، حتى أصبح يُقال بلا مسؤولية، نسي البعض أن الكلمة قد تكون أحدَّ من الحسام، وأن أثرها أحياناً يبقى أطول من أثر القرارات نفسها
هذه الشخصيات لا تسأل
كيف نخدم الناس؟
كيف نطوّر العمل؟
كيف نعالج الخلل؟
بل تسأل سؤالاً واحداً فقط:
كيف نرضي المسؤول؟
ومن هنا يبدأ الإبداع الحقيقي
إبداع في صناعة المديح،
وفي تدوير العبارات
وفي نفخ الإنجازات الصغيرة حتى تبدو وكأنها فتح اقتصادي أو إنجاز تاريخي غير مسبوق
أما حين يتعلق الأمر بالعمل الحقيقي، أو المواجهة، أو تحمل المسؤولية
فجأة يختفي الصوت
وتدخل المواهب في إجازة مفتوحة
الأطرف من ذلك، أن بعض هذه الشخصيات تعتقد فعلاً أنها “مؤثرة”، بينما هي في الحقيقة مجرد صدى يدور داخل الغرفة نفسها، يكرر ما يريد البعض سماعه، لا ما يجب أن يُقال
والمؤلم أكثر، أن الأوطان لا تتعثر دائماً بسبب الأزمات الكبرى أو الأعداء فقط،
بل أحياناً بسبب ثقافة كاملة أقنعت المسؤول أن كل شيء بخير، وأن التصفيق أهم من المصارحة، وأن الصورة أهم من الحقيقة
فيصفقون للمشروع قبل أن يبدأ
ويحتفلون بالإنجاز قبل أن يتحقق
ويكتبون قصائد النجاح قبل أن تظهر النتائج،
ثم يختفون عند أول سؤال حقيقي أو أول اختبار جاد
ولأن هذه الشخصيات لا تعيش إلا تحت الضوء،
فهي تخاف شيئين فقط
الحقيقة
والناس التي ما زالت تمتلك عقلاً لا يصفق بسهولة.
وفي النهاية، يبقى الفرق كبيراً بين من يقف أمام المسؤول ليقول ما يريد سماعه
ومن يقف أمامه ليقول ما يجب أن يسمعه، حتى لو لم يُعجبه ذلك
فالأوطان لا تُبنى بكثرة المصفقين
بل بوجود من يملكون شجاعة قول الحقيقة قبل فوات الأوان

