العقبة / الغد /ركن الفكر
العقبة – تواصل جمعية قرى حوض الديسي في منطقة وادي رم، جهودها في زراعة عشرات آلاف الأشتال من نبات “الغضا” وأشجار صحراوية مهددة بالانقراض، بمشاركة سيدات من المجتمع المحلي، وسط إشادة بدور المبادرة في دعم جهود مواجهة التصحر وتعزيز الغطاء النباتي، إلى جانب توفير فرص عمل وتحفيز السياحة البيئية في المنطقة، فيما كان آخر تلك الجهود، زراعة 10 آلاف شجرة خلال الأسبوعين الأخيرين

ولطالما كانت شجرة “الغضا” رفيقة البدو في حلهم وترحالهم، وشاهدة على تاريخ المنطقة منذ آلاف السنين، التي تعد أيقونة الصحراء الجنوبية، لكنها واجهت في السنوات الأخيرة خطر الاندثار والضياع نتيجة الاستنزاف الجائر، بينما أدركت سيدات الديسي، أن فقدان “الغضا” يعني فقدان جزء من هويتهن
وبحسب رئيسة جمعية سيدات الديسي فطنة الزوايدة، فإن “المشروع أشبه بفزعة بيئية منظمة، حيث تحولت الجمعية إلى خلية نحل، وشمرت سيدات المنطقة عن سواعدهن، حاملات الفؤوس وأواني الري، ليغرسن الحياة في الرمال القاحلة. ولقد استطعن تحويل الخوف من الانقراض إلى قصة إحياء، فانتشلت أياديهن الغضا من حافة النسيان، لتصبح اليوم حاضرة في كل زاوية، تعلن عن عودة الروح للمكان
وفي مجتمعات نائية تعاني وطأة الفقر والبطالة، جاءت هذه المبادرة كغيث نافع، حيث تشير الزوايدة إلى أن الجمعية ساهمت، من خلال هذا المشروع النوعي لإحدى أهم الأشجار في المنطقة، بإيجاد أكثر من 30 فرصة عمل لسيدات المجتمع المحلي في منطقة الديسي، مؤكدة أن هذه المنطقة تعاني من تحديات اقتصادية جمة، لكن الأرض تعطي من يعطيها، ولقد حولنا الحاجة إلى حماية البيئة إلى مصدر رزق كريم لبناتنا
وبينت الزوايدة “أن شجرة الغضا صنف دال لمحمية وادي رم، وكنز نباتي له فوائد لا تحصى؛ فهي غذاء للإبل والمواشي على مدار العام، ووتد راسخ لتثبيت الكثبان الرملية، ومصد طبيعي للرياح، وعلاج تقليدي للحروق والجروح توارثناه عن أجدادنا”، مؤكدة “أن الجمعية نجحت في خلق معادلة صعبة من خلال حماية البيئة وتوفير لقمة العيش. ولم تكتف السيدات بالزراعة، بل انخرطن في حملات توعية واسعة استهدفت المجتمع المحلي، لترسيخ مفهوم أن الحفاظ على هذه الأشجار هو حفاظ على مستقبل الأجيال القادمة
وأضافت أن طموح الجمعية، لم يتوقف عند حدود المجتمع المحلي، بل امتد ليشمل زوار المنطقة من سياح عرب وأجانب، من خلال فكرة خلاقة بدمج السياح في عملية الحفاظ على الطبيعة، حيث أُتيحت للزوار فرصة زراعة أشتال “الغضا” بأيديهم، مما ساهم هذا التفاعل المباشر في غرس حب الطبيعة في نفوس الجميع؛ فالسائح أصبح شريكا في صناعة المشهد البيئي، يترك بصمته الخضراء على رمال رم قبل أن يرحل. وهذا النهج عزز قيمة المنطقة سياحيا، وأصل ثقافة الحفاظ على البيئة لدى الزوار، جاعلا من شجرة الغضا سفيرا صامتا يحكي قصة الأرض وتاريخها
من جهته، أكد مفوض شؤون السياحة والشباب في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، الدكتور ثابت النابلسي، الأهمية الاستراتيجية لهذه المبادرة، لافتا إلى أن مبادرة زراعة الأشجار الأصيلة في محمية وادي رم تأتي ضمن جهود السلطة المتواصلة للحفاظ على البيئة الطبيعية وتعزيز الاستدامة البيئية في المحمية، مشيرا إلى أن هذا العمل ينسجم تماما مع رؤية السلطة وخطتها ضمن محور الاستدامة لحماية المواقع الطبيعية والسياحية
كما أشار النابلسي، إلى أن الحفاظ على الغطاء النباتي يعد “ركيزة أساسية لاستدامة محمية وادي رم، بوصفها أحد مواقع التراث العالمي، ولما له من دور محوري في حماية التوازن البيئي وصون الموارد الطبيعية
وكان يوم إطلاق المبادرة، مشهدا بانوراميا للتلاحم المجتمعي بمشاركة أهالي منطقة وادي رم وسيدات جمعية قرى حوض الديسي، في رسالة واضحة تؤكد أن المرأة هي حارسة الأرض الأولى
وخلال هذا اليوم، تمت زراعة 1000 شتلة لم تقتصر على “الغضا” فحسب، بل شملت “الطلح”، و”الرتم”، و”القطف”، وهذه التشكيلة من النباتات الصحراوية الأصيلة تم اختيارها بعناية لملاءمتها للبيئة القاسية، ولدورها الحيوي في تعزيز الغطاء النباتي، والحد من التصحر، ودعم التنوع الحيوي الذي يميز المحمية
وينظر إلى ما قامت به سيدات الديسي، على أنه عملية “ترميم” للذاكرة وللأرض، حيث أعدن الاعتبار لشجرة كانت مهددة، وأثبتن أن التنمية المستدامة ليست مصطلحا يكتب في التقارير الدولية، بل ممارسة يومية يمكن أن تنطلق من قرية نائية في عمق الصحراء

Leave A Comment

ركن الفكر للثقافة

مؤسسة فردية غير ربحية نسعى لخدمة المجتمع وتلمس احتياجاته والتوعية بقضاياه فكريا و اعلاميا و ثقافيا.