الناقد: علي القيسي
القصص القصيرة جدا أدب جديد في الثقافة والفكر العربي، بدأ نجمه يتوهج منذ عقدين من الزمن تقريبا ، وهو تجنيس قصصي مكثف واقتصادي بالألفاظ ، يختصر الكثير من الصفحات والسطور بصفحة واحدة أو أقل
بين يدي مجموعة قصصية للدكتور عيسى حداد ، عنوانها باكور وهي قصص قصيرة جدا ، تعالج الواقع المعاش في الحياة الانسانية والظروف التي يمر بها الانسان المعاصر والتحديات التي تواجه المجتمع والفرد على السواء ، قصص تختصر معاناة الناس وتحديدا الطبقات المسحوقة والفقراء والمهمشين
تنبض هذه القصص بالوجع النفسي والمعنوي والجسدي للشخوص الذين يمثلون عوالم البؤس والشقاء والتشرد والضياع، وهناك جوانب كثيرة تعالجها هذه النصوص وتكشف هشاشة وضعف الانسان أمام التحديات اليومية الحياتية مثل الطمع والجشع والظلم والغرور والزيف والكذب والنفاق، والغدر والخيانة، والكراهية وحب الذات والنرجسية، هذه القصص تعبر عن كل شخص يمر بتجربة مماثلة لمحتوى تلك المواقف الصادمة والمدهشة والكاسرة للتوقعات
ففي قصة “لقاء” ص ٦٦ يشي فحواها عن الاستبداد الذي تتسم به بعض الدول وتحرم الناس من ممارسة حريتهم ، وتفرض عليهم الطاعة والولاء والفقر والذل
وإذا ما انتفض أحدهم وجأر بالشكوى من الأوضاع البائسة وجد نفسه خلف القضبان أو تحت التراب!؟
ولعل رصد هذه المعاناة الانسانية تحتاج الى كاتب قاص مبدع يحول هذه المظاهر التراجيدية والدرامية الى نصوص أدبية منطقية تعكس الواقع بأسلوب فني يعجب القارئ ويتعامل معه ،عبر السرد المشوق للنصوص القصصية التي عادة ماتنتهي بالدهشة والاعجاب
فالقاص عيسى حداد راصد اجتماعي ومثقف واسع ومبدع في استعمال اللغة وتطويعها بما يخدم العمل الأدبي الفني حتى يخرج في أبهى صورة ،فالقصة القصيرة جدا . تحدث تأثيرا قويا وحاسما لدى المتلقي ،تختصر كل الأساليب القديمة في توصيل الرسائل ال الجمهور ،فهو بارع ويمتلك مهارات متميزة في تنبني الفكرة واخضاعها الى عمل ناجح يترسخ مع الحياة والتفاعل الناس باعادته وتثبيته من خلال انتشار هذه القصص لدى الكثير من المهتمين بالأدب والثقافة وخاصة النخب الأدبية والثقافية
هناك عشرات القصص في هذا الاصدار باكور. وكل قصة تتحدث عن موضوع معين يهم الناس جميعا وكلها من الواقع
قصة “ميكافلي” قصة معروفة من خلال الكتاب الذي انتشر في الماضي البعيد واسمه الأمير والذي عرف أن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت غير شريفة ،وهنا جاء الاقتباس لاسم المؤلف وثمة تناص أيضا بالفكرة وهذا شيء طبيعي أسقطه القاص عيسى حداد على واقع المجتمع بل كل المجتمعات العربية وغيرها
“باكور” هذه المجموعة القصصية تعالج كل القضايا والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية ، والعادات والتقاليد ، والتحضر والتمدن والتخلف والجهل والعلم
والقاص حداد يدعو الى الاصلاح في كل شيء ،وإلى محاربة الفقر والفساد والجهل ، والى النزوع الى الانسانية التي كرمها الله ، واحترمتها وحثت عليها الأديان السماوية
والله يقول ؛ “هدم الكعبة المشرفة حجرا حجرا أهون عند الله من قتل انسان”
والانسانية هي الأهم فلا يجوز امتهان كرامة الانسان مهما كانت الأسباب
وعند تحليلي لفنية القصص ودرجة الابداع فيها من ناحية اسلوبية ولغوية إذ كان هناك حرص من القاص على التركيز وإعادة القراءة والكتابة قبل الطباعة والنشر فالجهد واضح في اختيار القصص الجيدة ، ولابد للكاتب والأديب المبدع أن يقتنع بما يكتب وهو على علم أن القارئ يميز وينتقد ،،وهذا مايجعل الكاتب المحترف يوظف الناقد الذي بداخله. حتى يصبح العمل الأدبي ناجحا ومتميزا
الكاتب القاص عيسى حداد لديه حسّ طيب وفطرة سليمة واستعداد وشغف للكتابة الأدبية وهذا الأمر جزء من طبيعة وطبع الأديب الحقيقي
وفي الختام أبارك للأخ عيسى هذا الاصدار الجديد والذي يعتبر اضافة جديدة أخرى لأعماله الأدبية السابقة راجيا له دوام الابداع والتوفيق والنجاح

