
بقلم: أسامة أبو طالب
الهدف: الوصول إلى وجهة عالمية تُقنع السائح بالبقاء… وتدعوه للعودة
في السياحة العالمية، لا تبدأ المنافسة عند الفندق، ولا تنتهي عند الشاطئ. المنافسة الحقيقية تبدأ من لحظة اتخاذ السائح قرار السفر، وتُحسم عند لحظة مغادرته وهو يحمل رغبة العودة. وبين هاتين اللحظتين تتشكل القيمة الاقتصادية الكاملة للوجهة: قيمة لا تُبنى بجمال المكان وحده، بل بمنظومة متكاملة تبدأ بسهولة الوصول، وتستمر بجودة التجربة، وتنتهي بقدرة الوجهة على تحويل الزائر إلى سفير دائم لها
العقبة، بما تمتلكه من موقع استثنائي على البحر الأحمر، وما تحتضنه من حيد مرجاني نادر عالميًا، وباعتبارها ضلعًا محوريًا في المثلث السياحي الذهبي (العقبة – وادي رم – البتراء)، تملك مقومات طبيعية ولوجستية تؤهلها لتكون من أبرز الوجهات الساحلية في الإقليم غير أن التحدي الحقيقي ليس في المكان، بل في كيفية إدارة الوصول، وهندسة التجربة، وتحويل الإمكانات إلى عائد اقتصادي مستدام
الوصول الجوي… شرط المنتج قبل المنتج
أول مفاتيح التنافسية، وأكثرها حسمًا، هو الوصول الجوي المباشر ففي النموذج العالمي، لا تُبنى الوجهات الساحلية على افتراض أن السائح سيصل إليها بعد رحلة انتقال إضافية، بل على مبدأ بسيط: الطائرة تهبط حيث تبدأ التجربة
ومن هنا، فإن توجيه حصة استراتيجية وفاعلة من الموازنة المرصودة للطيران منخفض التكاليف والطيران العارض إلى مطار الملك حسين الدولي في العقبة ليس خيارًا تشغيليًا، بل ضرورة اقتصادية. لأن كل رحلة تصل مباشرة إلى العقبة تعني — بشكل فوري — زيادة في الليالي الفندقية، وارتفاعًا في متوسط الإنفاق، وتراجعًا في موسمية الطلب
أما الطيران العارض، فهو الأداة الأكثر كفاءة عندما تكون هناك رغبة في ضمان توجيه الدعم إلى مساره الصحيح عبر برامج مشروطة بالإقامة وتوزيع الليالي بين أضلاع المثلث السياحي الذهبي، بما يجعل الأثر الاقتصادي أكثر قابلية للقياس، وأكثر عدالة في التوزيع، وأكثر استدامة
“فجوة “المكان” والتجربة”
لكن الوصول — رغم أهميته — ليس إلا البداية فالوجهة التي تنجح في جذب السائح ولا تنجح في إقناعه بالبقاء، تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها الاقتصادية الممكنة. وهنا تحديدًا تظهر فجوة التجربة
المنتج الحالي، رغم قوته في جانب الإقامة والبنية الفندقية، ما زال يرتكز كثيرًا على عناصر أساسية: الشاطئ، الفندق، والنشاط البحري. هذه عناصر ضرورية، لكنها غير كافية لبناء وجهة عالمية فالوجهات المنافسة لا تترك السائح يتساءل: ماذا أفعل بعد الظهر؟ بل تقدم له تجربة متكاملة تمتد من الصباح حتى آخر ساعة من الليل
السائح الحديث لا يبحث عن مكان يقيم فيه فقط، بل عن قصة يعيشها. والأهم: عن تنوّع يُشعره أن يومه ممتلئ ومختلف
وهنا تكمن الفرصة الكبرى: العقبة ليست “بحرًا” فقط، بل منصة انطلاق لمنتج سياحي متعدد الأنماط، إذا أُدير كمنظومة واحدة مع عمقه الطبيعي والثقافي القريب
تنوّع المنتج… من وجهة جميلة إلى وجهة عالمية
التحول الحقيقي يبدأ عندما تتحول العقبة من مكان جميل… إلى تجربة متكاملة. وهذا يستدعي هندسة منتج سياحي متنوع يدمج أنماطًا متعددة داخل تجربة واحدة، مثل
السياحة الترفيهية: فعاليات يومية ومسائية، اقتصاد ليلي منظم، عروض موسيقية وثقافية خفيفة ومتكررة
السياحة العلاجية والاستشفائية: البحر، المناخ، والمنتجعات الصحية، ضمن برامج واضحة قابلة للبيع عالميًا
السياحة الدينية والروحية: ربط برامج الزوار بمسارات دينية وتاريخية ضمن تجربة الأردن الأوسع
سياحة المغامرة: ربط البحر بالصحراء بمسارات منشطة، وتجارب فريدة في وادي رم وما حوله
السياحة الثقافية والتراثية: تجارب سردية “Story-based” تُترجم التاريخ والهوية إلى برامج، لا إلى معلومات
فالتنوع هنا ليس رفاهية، بل هو ما يطيل الإقامة، ويزيد الإنفاق، ويمنع “نقطة الملل” التي تجعل السائح يغادر بعد يومين أو ثلاثة
إدارة تجربة الزائر… من قياس الرضا إلى تحسين المنتج
حتى أفضل المنتجات لا يمكن تطويرها دون الاستماع المنهجي للسائح. ولهذا، فإن أحد أهم العناصر التي تحتاجها الوجهة هو إنشاء وحدة مركزية لإدارة تجربة الزائر تكون مسؤولة عن جمع وتحليل التغذية الراجعة وتحويلها من ملاحظات إلى قرارات تشغيلية
في السياحة الحديثة، لا تُدار الوجهات بالانطباع، بل بالبيانات. والوجهة التي لا تسمع زوارها… ستسمع عنهم في تقييمات الآخرين
خارطة طريق قابلة للتنفيذ
ومن هنا تتشكل خارطة الطريق الواضحة، ضمن أربعة محاور مترابطة
المحور الأول: إعادة توجيه سياسة الوصول الجوي، بمنح مطار الملك حسين الدولي أولوية استراتيجية في استقطاب الطيران منخفض التكاليف والعارض، وربط الدعم ببرامج إقامة واضحة داخل المثلث السياحي الذهبي
المحور الثاني: تنويع المنتج السياحي خارج الإطار الفندقي عبر تجارب يومية ومسائية، وتحويل العقبة إلى منصة انطلاق لتجارب أوسع، لا نقطة إقامة معزولة
المحور الثالث: بناء منظومة تجربة مصممة مسبقًا، تملأ اليوم السياحي بالكامل، بدل ترك التجربة للصدفة
المحور الرابع: إنشاء نظام احترافي لإدارة تجربة الزائر قائم على البيانات، يترجم الملاحظات إلى تحسين مستمر
الهدف النهائي ليس زيادة عدد السياح فقط، بل تحقيق الهدف الاستراتيجي الأعمق:
بناء تجربة سياحية تُرسّخ الانتماء، وتُحفّز البقاء، وتُكرّس العودة، وتُحوّل السائح إلى سفيرٍ دائم للأردن
فالعقبة لا ينقصها البحر، ولا الموقع، ولا البنية الأساسية
ما ينقصها هو تكامل القرار بين السماء والأرض
أن تصل الطائرات مباشرة… وأن يجد السائح تجربة تستحق أن يعيشها
لأن الفرق بين وجهة جميلة… ووجهة عالمية
ليس في ما تملكه من مقومات…
بل في كيف تديرها

