اسامة ابو طالب
عندما يجد الإنسان نفسه في موقع مسؤولية، تتغير موازين القوة داخل نفسه، وتبدأ صراعات خفية بين المبادئ والقيم من جهة، والإغراءات والمصالح الشخصية من جهة أخرى. تلك اللحظة التي يتاح فيها للشخص التصرف بموارد ليست ملكه بشكل مباشر – المال العام – قد تتحول إلى اختبار حقيقي للنفس البشرية لكن لماذا قد يستسهل البعض سرقة المال العام أو التصرف به دون حق؟

الأمر يبدأ غالبًا بالشعور بالسلطة، فالمسؤولية تمنح الإنسان نفوذًا قد يدفعه للشعور بأنه فوق القانون، خاصة إذا كانت البيئة التي يعمل فيها تفتقر للشفافية أو تُضعف أدوات الرقابة
هذا الإحساس الزائف بالأمان يجعل الجريمة تبدو وكأنها فرصة خالية من المخاطر وبالتدريج، قد يُقنع الشخص نفسه بأن ما يفعله ليس سرقة، بل “حق مكتسب”، مستندًا إلى مبررات واهية مثل “الجميع يفعل ذلك” أو “أنا أستحقه” هذه الأعذار تضفي على الفعل غير الأخلاقي شرعية نفسية، فتتحول السرقة او السطو او استسهال الحصول على المال العام إلى سلوك معتاد

من جهة أخرى، يغيب لدى الكثيرين شعور الانتماء إلى المال العام، حيث يُنظر إليه كشيء مجرد أو “ملك للجميع”، وبالتالي يبدو عند ضعاف النفوس بلا مالك حقيقي هذه النظرة تفقد المال قيمته الأخلاقية وتجعل التصرف فيه يبدو وكأنه لا يضر أحدًا وعندما يُضاف إلى ذلك غياب المحاسبة الصارمة، يتحول المال العام إلى فرصة سهلة للإثراء غير المشروع

لكن ما قد لا يدركه من ينغمس في هذا السلوك هو التأثير النفسي العميق الذي يتركه داخله رغم محاولات العقل إخفاء الشعور بالذنب تحت ستار التبريرات، يبقى في أعماقه شعور بالخوف من الفضيحة والعار، ما يخلق توترًا دائمًا يؤثر على سلامه النفسي

إن مكافحة هذه الظاهرة تبدأ بزرع قيم النزاهة والمسؤولية في نفوس الأفراد منذ الصغر، مع بناء نظام رقابي قوي يضمن أن كل تصرف يخضع للمساءلة كما يجب أن نعمل على تغيير المفهوم الخاطئ بأن المال العام لا قيمة له، وإعادة تعريفه كأمانة ثقيلة في أعناق المسؤولين فالفساد يبدأ بفكرة صغيرة، لكنه يمتد كالنار ليحرق نسيج المجتمع بأكمله

في النهاية، كل إنسان في موقع المسؤولية أمام خيارين: أن يكون خادمًا للحق والأمانة أو عبداً لجشعه ورغباته وما يحدد المسار الذي يسلكه هو مدى تمسكه بقيمه أمام إغراءات السلطة والمال

Leave A Comment

ركن الفكر للثقافة

مؤسسة فردية غير ربحية نسعى لخدمة المجتمع وتلمس احتياجاته والتوعية بقضاياه فكريا و اعلاميا و ثقافيا.