
بقلم: أسامة أبو طالب
لا توجد صناعة في العالم تتأثر بالأحداث السياسية والإقليمية بسرعة كما تتأثر السياحة. فقرار السفر لا يُبنى فقط على حسابات التكلفة والوجهة، بل يعتمد بدرجة كبيرة على عنصر الثقة والصورة الذهنية. ولهذا فإن أي تطور سياسي أو أمني في منطقة ما يمكن أن ينعكس فورًا على حركة السياحة فيها، حتى لو كانت الوجهة نفسها مستقرة وآمنة
وهنا تظهر إحدى المفارقات المعروفة في اقتصاد السياحة العالمي
السائح الذي يجلس خلف شاشة هاتفه في أوروبا أو آسيا لا يقرأ الخرائط السياسية المعقدة للمنطقة، ولا يميز دائمًا بين دولة وأخرى، بل يتخذ قراره بناءً على الانطباع العام الذي يصله عبر الإعلام العالمي والتنبيهات الرسمية الصادرة عن حكومات بلاده
وبالتالي قد تكون الوجهة آمنة ومستقرة، لكن قرار السفر يُصنع خارج حدودها
الأردن، بحمد الله، كان وما زال يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والأمان، وهذه حقيقة يعرفها كل من زاره أو عمل في قطاعه السياحي. ومع ذلك فإن السياحة الأردنية، مثل غيرها من الوجهات في المنطقة، تتأثر أحيانًا بالصورة الإقليمية العامة، خاصة في أوقات التوترات السياسية
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحدث ذلك؟
بل: كيف يجب أن ندير القطاع السياحي عندما يحدث؟
التجارب العالمية تثبت أن الوجهات السياحية القوية لا تنتظر انتهاء الأزمات، بل تمتلك أنظمة جاهزة لإدارتها
ففي نيويورك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واجه القطاع السياحي صدمة غير مسبوقة، لكن المدينة تعاملت مع الأزمة عبر خطة تعافٍ واضحة تضمنت حملات تسويق عالمية، وتنويع الفعاليات، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حتى استعادت مكانتها السياحية خلال سنوات قليلة
وفي باريس بعد أحداث عام 2015، لم تكتفِ الحكومة الفرنسية بالتصريحات الإعلامية، بل أطلقت خطة دعم للقطاع السياحي شملت تعزيز التواصل مع الأسواق الدولية، وإعادة بناء الثقة عبر حملات ترويجية مكثفة
أما دبي فقد نجحت خلال الأزمات الاقتصادية العالمية والتوترات الإقليمية في تقليل تأثير تلك الظروف عبر تنويع الأسواق السياحية، والاستثمار المستمر في التسويق الرقمي، وتعزيز الربط الجوي المباشر مع مختلف دول العالم
هذه التجارب تؤكد أن الأزمات في السياحة ليست حدثًا استثنائيًا، بل جزء من طبيعة هذه الصناعة. والفرق بين الوجهات التي تتعافى بسرعة وتلك التي تتعثر لفترة طويلة يكمن في مدى جاهزيتها المؤسسية لإدارة الأزمات
في الأردن، أثبت القطاع السياحي مرونته خلال السنوات الماضية، لكنه ما زال بحاجة إلى الانتقال من مرحلة إدارة المواسم السياحية إلى مرحلة إدارة المخاطر السياحية
فالقطاع غالبًا ما يعمل بكفاءة عندما تكون الظروف مستقرة، لكن عند حدوث التحديات تظهر الحاجة إلى منظومة أكثر تنظيماً واستدامة في التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية
وهنا لا يتعلق الأمر بانتقاد أي جهة، بل بطرح سؤال مهني بسيط
هل لدينا إطار مؤسسي دائم لإدارة الأزمات السياحية، أم أننا ما زلنا نتعامل معها كل مرة كحدث مفاجئ؟
إن بناء مثل هذا الإطار لا يتطلب تغييرات معقدة، بل مجموعة خطوات عملية يمكن تنفيذها بوضوح، من أبرزها
أولاً: إنشاء مجلس تنسيق دائم للأزمات السياحية يضم ممثلين عن الجهات الحكومية والقطاع الخاص، تكون مهمته متابعة الأسواق السياحية وتحليل المؤشرات العالمية والتواصل مع الشركاء الدوليين
ثانيًا: تطوير نظام اتصال دولي سريع مع شركات الطيران ومنظمي الرحلات، بحيث تصل المعلومات الدقيقة عن الأوضاع في الأردن إلى الأسواق السياحية قبل أن تتشكل صورة غير دقيقة عنها
ثالثًا: تعزيز الترويج الرقمي الاستباقي، لأن المعركة السياحية الحديثة تبدأ في محركات البحث قبل أن تبدأ في المطارات
لكن أحد الدروس المهمة التي كشفتها الأزمات المتكررة يتمثل في قضية الربط الجوي. فالاعتماد الكبير على شركات الطيران الأجنبية منخفضة التكاليف، رغم أهميته في زيادة حركة السياحة في الظروف الطبيعية، يجعل حركة السياحة أكثر عرضة للتغيرات المفاجئة في قرارات تلك الشركات أو في سياسات الدول التي تنطلق منها
ومن هنا تبرز أهمية التفكير بشكل استراتيجي في تعزيز الاستقلالية الجوية للقطاع السياحي الأردني، سواء عبر إنشاء ناقل جوي وطني منخفض التكاليف، أو من خلال تطوير ذراع منخفض التكاليف ضمن الناقل الوطني الملكية الأردنية، بحيث يصبح للأردن قدرة أكبر على إدارة خطوطه الجوية الحيوية، خصوصًا تلك المرتبطة بالوجهات السياحية
فوجود مثل هذا النموذج يمنح الدولة والقطاع السياحي قدرة أكبر على الحفاظ على استمرارية الرحلات الجوية في أوقات الأزمات، وعدم الوقوع بالكامل تحت تأثير القرارات التشغيلية لشركات الطيران الأجنبية
كما أن العديد من الدول السياحية تبنت هذا النهج لتعزيز مرونة قطاعها السياحي، حيث لعبت شركات الطيران منخفضة التكاليف دورًا محوريًا في دعم حركة السياحة في دول مثل إسبانيا واليونان وتركيا
إن بناء منظومة سياحية قادرة على مواجهة الأزمات يتطلب مزيجًا من التخطيط الاستباقي، والتنسيق المؤسسي، والمرونة التشغيلية، خصوصًا في ما يتعلق بالربط الجوي والتسويق السياحي
فالسياحة في نهاية المطاف ليست مجرد حركة سفر، بل اقتصاد قائم على الثقة والاستمرارية
والوجهات السياحية الناجحة ليست تلك التي لا تواجه الأزمات، بل تلك التي تمتلك القدرة على إدارتها بثقة، وتحويلها إلى فرصة لإعادة تنظيم القطاع وتعزيز تنافسيته
فالنجاح في السياحة لا يقاس فقط بعدد الزوار في المواسم الجيدة، بل بقدرة القطاع على الاستمرار والعمل بكفاءة حتى في أصعب الظروف

