
موسى الدردساوي
في صباحٍ أردنيٍّ يشبه ملامح أهله حيث تمتد الشمس بخجلٍ فوق جبالٍ حفظت الحكاية، لا يكون السادس عشر من نيسان مجرّد تاريخٍ عابر، بل لحظة تتكثّف فيها الذاكرة وتنهض فيها الروح على إيقاع لونٍ يرفرف في السماء كأنّه نبض وطنٍ بأكمله، يوم العلم الأردني ليس احتفالًا بالشكل بل هو استحضارٌ عميقٌ لمعنى الانتماء ووقفة صادقة مع قصةٍ كُتبت بعرق الرجال وصبر الأمهات ونُقشت على أطراف الراية التي لم تنحنِ يومًا
ومن بين خيوط هذا العلم تمتدّ ذاكرةٌ أعمق تعود إلى الثورة العربية الكبرى تلك اللحظة التي لم تكن مجرّد حدثٍ عابر بل نقطة تحوّل في الوعي العربي حيث ارتفعت راية الحرية الأولى وتشكّلت البذرة التي حملت ملامح الراية الأردنية اليوم هناك بدأت الحكاية ومعها تشكّل الدور التاريخي للهاشميين الذين حملوا إرث الدفاع عن القيم والكرامة وظلّوا أوفياء لمسارٍ لم ينقطع
ومع تعاقب السنين بقي هذا الإرث حيًّا يتجدّد حتى تجلّى في مسيرة الدولة الأردنية الحديثة بقيادة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي لم يتعامل مع العلم كرمزٍ جامد بل كمسؤوليةٍ حيّة تُترجم إلى عملٍ وإنجازٍ وصمودٍ في وجه التحديات، إلى جانبه يقف الأمير الحسين وليّ عهده الأمين بوعي جيلٍ جديد يرى في الراية مشروع مستقبل، وليس مجرد إرثٍ يُحفظ بل مسيرة تُستكمل بثقةٍ وإرادة
فمنذ اللحظة التي ارتفع فيها العلم لأول مرة لم يكن مجرّد قماشٍ يُعلّق على سارية بل إعلان بأن لهذه الأرض رواية وأن لأبنائها حقًا في الحلم والدفاع عن تفاصيلهم التي صنعت هويتهم كل لونٍ فيه يتحرّك داخل الوجدان، فالأسود يهمس بحكايات الصبر والثبات والأبيض يفتح نوافذ الأمل والأخضر يمدّ جذور الحياة في أرضٍ تعرف كيف تُنبت الكرامة، فيما يتوهّج الأحمر كقلبٍ لا يتوقف عن الخفقان يذكّر بأن التضحيات كانت وما زالت قدر الأحرار
وفي كل بيتٍ أردني تنسج هذه الراية علاقةً خاصة لا تُفسَّر بالكلمات بقدر ما تُعاش في التفاصيل كطفلٌ يرفعها بيدٍ صغيرة وهو لا يدرك عمق رمزيتها، لكنه يشعر بفخرٍ فطري، وجنديٌّ يثبتها على كتفه كأنّه يحمل الوطن كلّه وأمٌّ تتابعها بعينٍ يختلط فيها الدعاء بالرجاء كأنها ترى فيها أبناءها جميعًا، هكذا يتحوّل العلم من رمزٍ وطني إلى كيانٍ حيّ يسكن الناس ويعبّر عنهم
وحين تتسارع الحياة وتتبدّل الملامح من حولنا، يبقى العلم الأردني ثابتًا كمرساة يعيد ترتيب البوصلة كلما اضطرب الاتجاه، فلا يعلو فوق المباني فقط بل يرتفع في الوعي الجمعي ليؤكد أن هذا الوطن رغم التحديات مستندًا إلى شعبٍ يعرف معنى الانتماء وقيادةٍ ترى في رفع الراية فعلًا ومسؤولية قبل أن يكون رمزًا
يوم العلم ليس مناسبةً احتفالية فحسب بل لحظة مراجعةٍ صادقة للذات الوطنية لنسأل أنفسنا كيف نحفظ هذه الراية عالية ليس بالشعارات فقط بل بالعمل والانتماء الحقيقي، وبالقدرة على أن نكون امتدادًا حيًا لكل ما ترمز إليه
وهكذا حين يرفرف العلم في السادس عشر من نيسان لا يكون وحده في السماء، بل ترتفع معه ذاكرة ثورة وإرث الهاشميين ومسيرة قيادة ووجدان شعب وحلم وطنٍ يتجدّد مع كل جيل، مؤكدًا أن هذه الراية ليست مجرد رمز… بل حكاية وطنٍ لا تنتهي

