
أسامة ابو طالب
لم تكن الراية يوماً مجرد قطعة قماش تُرفع في الهواء
بل كانت، منذ فجر التاريخ، إعلان وجود، وصوت هوية، وحدًّا فاصلاً بين من نحن… ومن لسنا
منذ أن بدأ الإنسان يتجمع ويؤسس كياناته الأولى، ظهرت الحاجة إلى رمز يُرى فيُفهم، ويُرفع فيُوحّد، ويُدافع عنه لأنه يمثل الجميع
في الحضارات القديمة، كانت الرايات تُحمل في الحروب لا لتعريف الجيوش فحسب، بل لتثبيت المعنويات، إذ كانت الراية إذا ثبتت ثبتت الصفوف، وإذا سقطت اهتزت القلوب
ومع بزوغ فجر الإسلام، اكتسبت الراية بعداً أعمق
فلم تعد مجرد إشارة عسكرية، بل أصبحت راية عقيدة، تحمل رسالة، وتجمع الناس على مبدأ لا على قبيلة
راية رسول الله ﷺ لم تكن مجرد لواء يُرفع، بل كانت عنوان وحدة، ودلالة على أمة تتجاوز حدود الدم والنسب إلى أفق أوسع من الإيمان والانتماء
وفي كل معركة، لم يكن سقوط الراية أمراً عادياً، بل كان محاولة لكسر الروح، ولهذا تسابق الصحابة لحملها، إدراكاً منهم أن الراية ليست بيد حاملها فقط، بل في وجدان من يقفون خلفها
ومع تطور الدول، أصبحت الراية اختصاراً لوطن،
تحمل في ألوانها تاريخاً، وفي رموزها حكاية، وفي حضورها معنى الاستمرار
وفي هذا السياق، يأتي العلم الأردني امتداداً لهذا التاريخ العميق، لا كرمز حديث فقط، بل كراية تحمل إرثاً حضارياً وإنسانياً
فألوانه المستمدة من رايات العرب، ونجمته السباعية التي تعبّر عن وحدة الأرض والرسالة، ليست مجرد تصميم، بل تعبير عن هوية وطن، وعن مسيرة دولة قامت على التوازن بين الأصالة والتجدد
العلم الأردني لم يكن يوماً مجرد حضور شكلي في المناسبات، بل كان شاهداً على مراحل البناء، وعلى تضحيات الأردنيين، وعلى ثبات الدولة في وجه التحديات
هو الراية التي اجتمع حولها الأردنيون، لا باعتبارها رمزاً سياسياً فقط، بل باعتبارها عنوان انتماء، ومعنى استقرار، وصورة لوطن احتضن الجميع
وفي يوم العلم، لا يكون الاحتفال برفع الراية فحسب، بل بتجديد العهد مع ما تمثّله
فالانتماء لا يُقاس بالكلمات، بل يُقاس بالفعل، والعمل، والقدرة على أن يكون كل فرد جزءاً من صورة الوطن التي يعبّر عنها هذا العلم
العلم لا يُحمل في الساحات فقط، بل يُحمل في السلوك، في الالتزام، في الإخلاص، وفي الشعور بأن هذا الوطن مسؤولية مشتركة
لأن الراية، في جوهرها، ليست ما نرفعه فوق رؤوسنا…
بل ما نحمله في داخلنا
وكل عام، والعلم الأردني مرفوع،
بأيدي من يعرفون قيمته
ويحفظون معناه،
ويصونون الوطن الذي يمثّله

