من ذاكرة البادية إلى منصة العالم

في جنوب الأردن، حيث تمتد البادية على مساحة واسعة، لا تُقاس علاقة الإنسان بالأرض بمساحتها، بل بما تختزنه من ذاكرة ومعرفة وحياة

من هنا بدأت حكاية قطنة محمد الحويطات

امرأة من المجتمع الرعوي اختارت أن تجعل من مشاركة النساء في صناعة القرار والعمل التنموي طريقًا مختلفًا؛ طريقًا لا يفصل بين تمكين المرأة وحماية الأرض، ولا بين التنمية وصون المراعي والموارد الطبيعية

منذ عام 2009، ارتبط اسم قطنة بتجربة نسائية في حوض الديسة، من خلال العمل على إشراك سيدات المجتمع المحلي في التنمية وتعزيز قدرتهن على المبادرة والعمل والإنتاج.

لكن القصة لم تتوقف عند تمكين المرأة اقتصاديًا

ففي المكان نفسه بدأت المرأة تقترب أكثر من قضية الأرض

مشروعات للجمعية، تدريب للنساء، مبادرات إنتاجية، ومشتل يهتم بإكثار النباتات المحلية المهددة بالانقراض

هنا بدأت تتشكل معادلة مختلفة

تمكين المرأة ليس قضية اجتماعية منفصلة عن البيئة؛ بل يمكن أن يكون أحد مفاتيح حماية الأرض واستعادتها

ثم جاءت لحظة تختصر سنوات من العمل

في 8 يناير 2023، زار جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله جمعية سيدات قرى حوض الديسة التعاونية

لم تكن الزيارة مجرد مناسبة بروتوكولية

كان هناك لقاء مباشر مع سيدات المجتمع المحلي، واطلاع على مشروعاتهن، والاستماع إلى عرض حول أعمال الجمعية

وفي المشتل الزراعي، امتدت القصة من الإنسان إلى النبات؛ حيث اطّلع الملك والملكة على جهود إكثار النباتات المحلية المهددة بالانقراض، وشارك جلالة الملك في زراعة نبتة الغضا الصحراوية

لقطة واحدة كانت تختصر الكثير

امرأة من البادية تقف في مشروعها، والملك والملكة يستمعان إلى تجربتها، ونبتة محلية تُزرع أمامهم للمستقبل

من هنا أصبحت قصة قطنة أكبر من قصة جمعية

إنها قصة مجتمع يقول إن المرأة تستطيع أن تكون شريكة في التنمية، وحارسة للمعرفة المحلية، وصوتًا للأرض

لكن الرحلة لم تنتهِ

فالسنوات التالية حملت التجربة إلى دوائر أوسع، وصولًا إلى الحوار الإقليمي حول المراعي والرعي، ثم إلى COP17، حيث خرج صوت المجتمع الرعوي من حدود المكان ليصل إلى منصة دولية تناقش مستقبل الأراضي والمراعي في مواجهة التصحر وتغير المناخ

وهنا تصبح قصة قطنة ذات معنى عالمي

كيف يمكن لامرأة بدأت من مجتمعها المحلي أن تصل بخبرة مجتمعها إلى طاولة الحوار الدولي؟

السؤال لم يعد: كيف نمكّن المرأة؟

بل أصبح

ماذا تستطيع المرأة أن تفعل عندما نمنحها الحق في المشاركة، والمعرفة، والفرصة، والصوت؟

تجيب قصة قطنة

يمكنها أن تبدأ من قرية صغيرة…

فتدرب النساء، وتبني مشروعًا، وتحمي نباتًا مهددًا، وتحافظ على معرفة المجتمع…

ثم تقف أمام العالم لتقول

إن حماية الأرض لا تبدأ من المؤتمرات وحدها؛ بل تبدأ من الإنسان الذي يعيش عليها، ومن المرأة التي تحفظ ذاكرتها وتشارك في صناعة مستقبلها

وهكذا تمتد القصة

حوض الديسة → المرأة → المجتمع → البيئة → المراعي → الاعتراف الوطني → COP17 → العالم

ليست قطنة بطلة قصة امرأة واحدة

إنها نافذة على آلاف النساء في المجتمعات الرعوية اللواتي يحملن معرفة الأرض، وينتظرن أن تتحول تلك المعرفة إلى قوة مشاركة وتأثير

من البادية بدأت الحكاية…
وإلى العالم وصلت الرسالة.

 

«نساء الأرض… حارسات المراعي»

كتب محمد المحيسن

الرياض

Leave A Comment

ركن الفكر للثقافة

مؤسسة فردية غير ربحية نسعى لخدمة المجتمع وتلمس احتياجاته والتوعية بقضاياه فكريا و اعلاميا و ثقافيا.