
الدكتور عبدالمهدي القطامين
ساتحدث بصراحة هذه المرة بعيدا عما يدور في بعض مواقع التواصل الاجتماعي وفي الجلسات الخاصة لبعض ممن لا يعجبهم العجب ولا حتى الصيام في رجب وهنا اتحدث عن فئة او توجه دوما مزاجه ساخطا متبرما وهم على الاغلب من التيار الذي يرى انها “خربانة” ثم يصمت وبصفتي صحفيا متابعا وشاهدا لما يدور في الشأن الاقتصادي فكثيرا ما اسمع همسا بل واقرأ صراحة عبارة لقد “باعوها” وهذه عبارة مظللة و حمالة اوجه لا تفصح عمن باع ولا عمن اشترى وهي مبنية للمجهول على الدوام ولربما بات الخلط واضحا بين الاستثمار والنفوذ بين فئة ناقمة ترى بعين واحدة فقط وليس بعينين اثنتين كما خلقهما الله وكلما طُرح مشروع استثماري إماراتي في العقبة سواء في الميناء أو مشروع مرسى زايد أو غيرهما يعود السؤال ذاته: هل ما يجري استثمار حقيقي يخدم الأردن أم أنه شكل جديد من أشكال النفوذ الاقتصادي؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من التمييز بين العاطفة والحقائق وبين المصطلحات فالنفوذ يعني السيطرة على الأرض والقرار والسيادة بينما الاستثمار المباشر يقوم على ضخ الأموال وتحمل المخاطر بهدف تحقيق الربح ضمن قوانين الدولة المضيفة دون ان تمس سيادتها أو تتنازل عن قرارها الوطني لصالح أي جهة
لقد جاءت الاستثمارات الإماراتية إلى العقبة في وقت كانت المدينة بحاجة إلى رؤوس أموال ضخمة لتطوير البنية التحتية والمشاريع السياحية واللوجستية ومشروع مرسى زايد على سبيل المثال يعد من أكبر المشاريع التطويرية على ساحل البحر الأحمر ويستهدف تحويل أكثر من 3 ملايين متر مربع إلى وجهة سياحية واقتصادية متكاملة تضم فنادق ومراسي يخوت ومناطق سكنية وتجارية ومرافق سياحية متنوعة صحيح ان البدء بعمل المشروع تأخر كثيرا لاسباب فنية واقليمية وعالمية لكنه بدأ
لم يقتصر الحضور الاستثماري الإماراتي في العقبة على مشروع مرسى زايد فقط، بل امتد إلى أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في تاريخ الأردن، وهو مشروع سكة حديد ميناء العقبة الذي تنفذه الشركة الاردنية الاماراتية للسكك الحديدية باستثمار يبلغ نحو 2.3 مليار دولار ويقوم المشروع على شراكة متساوية (50% للأردن و50% للإمارات)، حيث يضم الجانب الأردني شركة الفوسفات وشركة البوتاس وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي وشركة إدارة الاستثمارات الحكومية فيما يمثل الجانب الإماراتي صندوقا سياديا إماراتيا شركة” العماد ” ويستهدف المشروع إنشاء خط حديدي بطول 360 كيلومتراً يربط مناجم الفوسفات في الشيدية ومناجم البوتاس في غور الصافي بميناء العقبة بطاقة نقل تصل إلى 16 مليون طن سنوياً من الفوسفات والبوتاس هذه الشراكة تكشف بوضوح الاستثمار الحيوي بين الاشقاء فالمشروع ليس امتلاكا لأرض أو انتزاعا للسيادة بل شركة مشتركة يملك الأردن نصفها وتشارك فيها مؤسسات وطنية كبرى ومن شأنه ان يخفض كلف النقل ويعزز تنافسية الصادرات الأردنية ويحول العقبة إلى مركز لوجستي إقليمي يربط الأردن بالأسواق العربية والعالمية فضلا عن كونه اللبنة الأولى في مشروع السكك الحديدية الوطني الأردني. هذا المشروع سيوفر ما يقارب خمسة الاف فرصة عمل عند اكتماله ولو لم يكن من فوائده سوى هذه لكفته وهنا اسأل القوم المتبرمين من ضيق فرص العمل ومحدوديتها كيف يمكن لنا ان نوفر فرص العمل للاردنيين دون ان نلجأ للاستثمار الخارجي المباشر ام ان المطلوب هو فقط ان نبقى نشكو الحال ونرفع عقيرتنا و”ندُبّ” الصوت لعدم قدرة الحكومة على تأمين فرص العمل ؟
اذا ما اخذنا مشروع السكك الحديدية البالغ كلفته 2.3 مليار دولار ومشروع مرسى زايد الذي تناهز كلفته ١٠ مليار دولار فإننا نتحدث عن استثمارات تتجاوز 12 مليار دولار في العقبة وحدها ومن هنا فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن يكون حول قدرة وطننا على تعظيم العائد الاقتصادي والتشغيلي لهذه المشاريع وضمان أن تنعكس نتائجها على فرص العمل والتنمية وتحسين مستوى حياة أبناء العقبة والأردنيين عموما مع التأكيد على اهمية خلق فرص عمل للشباب الاردني بعد ان تراجعت قدرة الحكومة على ايجاد وظائف لجيش من الخريجيين ينتظرون اولى خطواتهم في الحياة العملية ….
اخيرا الاستثمار الاجنبي المباشر هو احد السياسات الاقتصادية الناجعة التي تلجأ اليها الدول الغنية والفقيرة معا لرفع وتنمية اقتصادياتها في ظل تداخل اقتصاديات العالم بصورة تبدو مربكة في الكثير من الاحيان .
وانا شخصيا ارحب بأي استثمار اجنبي مباشر في بلادنا وارحب اكثر حين يكون هذا الاستثمار من اشقائنا العرب شركاء المصير والدم والتاريخ المشترك لانه لا يعود هنا غريبا بل يكون كما يقول المثل “من الُعبّ للجيبة

