
د٠ حاكم المحاميد
في العالوك، لا تبدو الأرض مجرّد مكانٍ عابر في خاصرة الأردن، بل صفحةً مفتوحة من كتاب الوطن؛ شجرٌ يقف كالشاهد، وحجرٌ يحفظ الخطى، وسماءٌ قريبة كأنها تنحني لتسمع حكايات الناس وقصائدهم ٠
هنا، حيث تسكن العالوك في وجدان الأردنيين، وتحضر بني حسن بتاريخها وكرامتها وطيب معدنها، تذكّرتُ الشاعر الأردني الكبير ( قمر العالوك ) حبيب الزيودي؛ ذلك الفتى الذي لم يكتب عن المكان من بعيد، بل حمله في دمه، وصاغ من ترابه وغيمه ومائه قصيدةً أردنية خالصة.
العالوك عند الزيودي لم تكن قريةً فقط؛ كانت أمّاً، وذاكرةً، ونافذةً على الأردن العميق: أردن القمح والرعاة، أردن البسطاء الكبار، أردن العشائر التي صنعت معنى الوفاء قبل أن تكتبه الكتب، وحملت الوطن في القلب كما يُحمل العهد.
وفي هذا الامتداد المفتوح، لا تغيب عن العالوك ملامح الذاكرة العسكرية التي سكنت المكان؛ فقد شهدت أرضها مرور الجنود، واحتضنت ميادين التدريب والاستعداد، حيث تعلّمت الأقدام معنى الانضباط، وحفظ التراب ووقع الخطى المتجهة نحو الجاهزية.
هنا، يتجاور هدوء الطبيعة مع صرامة الواجب، في صورةٍ تختصر روح الدولة: وطنٌ يُصان برجاله، وجيشٌ يبقى على أهبة الاستعداد، وذاكرةٌ لا تنسى أن الأمن يبدأ من يقظة الإنسان على أرضه.
وفي حضرة هذه الطبيعة الهادئة، بين الشجر والحجر والهواء النقي، يشعر المرء أن الشعر ليس ترفاً، بل ضرورةٌ لفهم البلاد، فبعض الأماكن لا تُزار بالأقدام وحدها، بل تُزار بالذاكرة، والحنين ، وبالامتنان لمن جعلوا من المكان معنىً باقياً في الوجدان.
سلامٌ على العالوك، وعلى أهلها الطيبون ، وسلامٌ على روح حبيب الزيودي؛ الشاعر الذي جعل من الغيم فوق العالوك غيماً فوق قلب كل أردني.

