بقلم:الدكتور غالب عبدالله العيسى
خبير استراتيجي في الاقتصاد والإدارة المؤسسية
يبدو النقاش حول استقلالية الغرف التجارية والصناعية، للوهلة الأولى، بسيطًا: مجالس منتخبة من هيئاتها العامة، تمثل القطاع الخاص، وبالتالي ينبغي أن تتمتع بالاستقلالية الكافية لإدارة شؤونها واتخاذ قراراتها بعيدًا عن التدخل والوصاية.
وهذا صحيح من حيث المبدأ
لكن الخطأ يبدأ عندما نضع الاستقلالية والرقابة في طرفي معادلة متعارضة، وكأن زيادة إحداهما تستوجب بالضرورة تراجع الأخرى
في علم الإدارة الحديثة والحوكمة المؤسسية، المعادلة مختلفة تمامًا
كلما اتسعت مساحة الاستقلالية، ارتفعت معها مسؤولية المساءلة
فالاستقلالية ليست إعفاءً من الرقابة، والرقابة ليست ترخيصًا بالوصاية، والانتخاب لا يمنح حصانة، كما أن المساءلة لا تنتقص من شرعية المجلس المنتخب
وهنا تحديدًا ينبغي أن يبدأ النقاش الحقيقي حول مستقبل الغرف التجارية والصناعية
الانتخاب يمنح الشرعية… لكنه لا يمنح الحصانة
لا شك أن انتخاب أعضاء مجالس الغرف من هيئاتها العامة يمنحهم شرعية واضحة في التمثيل واتخاذ القرار خلال المدة القانونية المقررة لهم
لكن الديمقراطية المؤسسية لا تنتهي عند صندوق الاقتراع؛ بل تبدأ منه
فالناخب عندما يمنح صوته لمجلس منتخب، لا يتنازل عن حقه في السؤال والمحاسبة، وإنما يفوض المجلس بإدارة المؤسسة وتحقيق أهدافها ضمن القانون، ثم يحتفظ بحقه في تقييم النتائج
ومن هنا فإن السؤال عن أداء المجلس، أو أولويات الإنفاق، أو القرارات التي اتخذها، أو الملفات التي دافع عنها، أو القيمة التي أضافها للمنتسبين، ليس تشكيكًا بشرعية المجلس، بل جزء من جوهر الشرعية نفسها
والقاعدة التي ينبغي أن تستقر في ثقافتنا المؤسسية هي
الانتخاب يمنح شرعية التمثيل، لكنه لا يمنح حصانة من التقييم
التطوع قيمة… وليس معيارًا للحوكمة
كذلك فإن عضوية مجالس الغرف في طبيعتها عمل تطوعي وخدمة للقطاع الاقتصادي، وهذه قيمة تستحق الاحترام
لكن التطوع لا يغيّر قواعد المسؤولية المؤسسية
فالمسؤولية لا تُقاس بما يتقاضاه عضو المجلس من مال، وإنما بحجم الصلاحية التي يمارسها، والقرار الذي يشارك في اتخاذه، والموارد التي يسهم في توجيهها، والأثر الذي تتركه تلك القرارات على المؤسسة والمنتسبين إليها
كما أن نجاح عضو مجلس الإدارة في إدارة أعمال خاصة كبيرة لا يمكن أن يكون، بحد ذاته، ضمانة لحسن إدارة المؤسسة المنتخبة
فإدارة المشروع الخاص تختلف جوهريًا عن إدارة مؤسسة تمثيلية
في الأولى يستطيع صاحب العمل أن يخاطر بماله ويتخذ قراره وفق رؤيته ويتحمل نتيجته، أما في الثانية فهو يدير، مع زملائه، مؤسسة لها هيئة عامة وأنظمة وأموال وأهداف وحقوق متساوية لأعضائها
وهنا تصبح الحوكمة بديلًا عن الثقة الشخصية، لا انتقاصًا منها
فالمؤسسات القوية لا تُبنى على قاعدة: نحن نثق بالأشخاص، وإنما على قاعدة: لدينا نظام يجعل المؤسسة تعمل بصورة صحيحة بغض النظر عمّن يشغل الموقع
الشفافية ليست تقريرًا ماليًا فقط
من أكثر الاختزالات شيوعًا اعتبار الشفافية المالية متحققة بمجرد وجود مدير مالي ومدقق حسابات وأمين صندوق ولجنة مالية وتقارير سنوية
كل هذه أدوات مهمة وضرورية، لكنها تمثل جزءًا من منظومة أكبر
فالشفافية الحديثة لا تسأل فقط
أين أُنفق المال؟
بل تسأل أيضًا
لماذا أُنفق؟ وماذا حقق؟ وهل كانت هناك أولوية أكثر أهمية؟ وما العائد الاقتصادي أو المؤسسي من هذا الإنفاق؟
وهنا ننتقل من تدقيق الحسابات إلى إدارة الأثر
قد تكون النفقة صحيحة من الناحية المحاسبية والقانونية، لكنها ضعيفة من ناحية الأولوية أو الجدوى أو الأثر
ولهذا فإن الغرفة الحديثة لا تحتاج فقط إلى موازنة مالية سليمة، وإنما إلى موازنة مرتبطة بالأهداف والنتائج ومؤشرات الأداء
فالهيئة العامة لا يهمها فقط أن تعرف أن المال أُنفق بصورة صحيحة، بل من حقها أن تعرف ماذا تحقق مقابله
المساءلة ليست تشكيكًا
وهناك فارق آخر ينبغي ألا يضيع وسط حرارة النقاش: الفارق بين النقد والتشكيك
التشكيك في الذمم دون دليل مرفوض أخلاقيًا ومهنيًا، والتجريح الشخصي والابتزاز الإعلامي لا علاقة لهما بالرقابة الرشيدة
لكن الخطورة المقابلة تكمن في تصنيف كل سؤال أو نقد أو مطالبة بالمعلومة باعتبارها استهدافًا أو تشكيكًا
فالمؤسسات الناضجة لا تخشى السؤال
بل تعتبر السؤال فرصة لتفسير القرار وتصحيح الخطأ وبناء الثقة
ومن لديه دليل على مخالفة، فالقانون ومؤسسات الرقابة هما الطريق. ومن لديه نقد في الأداء، فالنقاش العام والمؤسسي حق مشروع
وبذلك نحمي الأشخاص من الاتهامات غير المسندة، ونحمي المؤسسة في الوقت ذاته من تحويل شعار «عدم التشكيك» إلى جدار يحجب النقد المشروع
أين تنتهي الرقابة وتبدأ الوصاية؟
هذا هو السؤال الأكثر أهمية
فالوصاية تبدأ عندما تنتقل الجهة الرقابية من التأكد من سلامة القرار إلى محاولة صناعة القرار بدلًا من المجلس المنتخب ضمن المساحات التي منحها القانون للمجلس
أما الرقابة الرشيدة فتحدد القواعد، وتتحقق من الالتزام بها، وتحاسب على المخالفة، لكنها لا تتحول إلى إدارة موازية للمؤسسة
وبالمقابل، لا يجوز للمجلس المنتخب أن يستخدم شعار الاستقلالية لرفض المساءلة أو حجب المعلومات التي يوجب القانون أو النظام المؤسسي إتاحتها
إذن نحن أمام خطين أحمرين متوازيين
لا وصاية تصادر قرار المجلس، ولا استقلالية تتحول إلى حصانة
الغرفة ليست دائرة حكومية… وليست شركة خاصة
وهنا تكمن خصوصية الغرف التجارية والصناعية
فهي ليست دائرة حكومية حتى تدار بعقلية البيروقراطية التقليدية، وليست شركة خاصة حتى يكون القرار فيها حقًا حصريًا لأصحاب رأس المال
إنها مؤسسة تمثيلية اقتصادية ذات طبيعة خاصة، تستمد قوتها من القطاع الذي تمثله، وشرعيتها من هيئتها العامة، وصلاحياتها من القانون
ولهذا تحتاج إلى نموذج إدارة يناسب طبيعتها: سرعة القطاع الخاص، وانضباط المؤسسة، وشفافية الجسم المنتخب
إغراق الغرفة بالإجراءات يمكن بالفعل أن يقتل قدرتها على المبادرة، لكن غياب الحوكمة يمكن بالقدر نفسه أن يحول المبادرة إلى اجتهادات فردية
والمطلوب ليس الاختيار بين الاثنين، وإنما بناء مؤسسة تستطيع أن تكون مرنة دون فوضى، ومستقلة دون انغلاق، وسريعة دون تجاوز، وخاضعة للمساءلة دون وصاية
من إدارة المال إلى إدارة الأثر
وربما يكون السؤال الذي تحتاج الغرف إلى طرحه اليوم أوسع بكثير من النقاش التقليدي حول الرقابة المالية
ماذا أضافت الغرفة إلى اقتصاد المدينة والقطاعات التي تمثلها؟
كم مشكلة قطاعية عالجت؟
كم تشريعًا أو إجراءً ساهمت في تطويره؟
ما الذي قدمته للمشروعات الصغيرة والمتوسطة؟
كم فرصة تمويل أو استثمار أو تشبيك فتحت أمام أعضائها؟
كيف دافعت عن تنافسية القطاعات؟
ما مستوى رضا الهيئة العامة عن خدماتها؟
وما الذي تغير في بيئة الأعمال نتيجة عملها؟
هنا يصبح كشف الحساب الحقيقي كشف أثر، لا كشف أرقام فقط
وهذه النقلة ضرورية؛ لأن مستقبل المؤسسات الاقتصادية لن يقاس بعدد الاجتماعات والكتب والوفود والفعاليات، وإنما بما أحدثته من فرق يمكن قياسه في حياة أعضائها وفي الاقتصاد الذي تمثله
استقلالية أقوى… مقابل مساءلة أقوى
ليس المطلوب إذن إضعاف استقلالية الغرف، بل العكس
الغرف التجارية والصناعية بحاجة إلى استقلالية قوية تمكنها من تمثيل القطاع الخاص والدفاع عنه، وأن تقول «لا» عندما تتعارض بعض السياسات مع مصالح الاقتصاد، وأن تقدم البدائل، وأن تفاوض الحكومة كشريك اقتصادي مؤسسي لا كجهة تابعة
لكن قوة هذه الاستقلالية تحتاج إلى مصدر أخلاقي ومؤسسي يحميها
وهذا المصدر هو الثقة
والثقة لا تُطلب؛ بل تُبنى
تبنى بالشفافية، وبالإفصاح، وبوضوح القرار، وبمنع تضارب المصالح، وبالموازنة المرتبطة بالأهداف، وبمؤشرات الأداء، وبالتقارير الدورية، وبإتاحة مساحة حقيقية للهيئة العامة للسؤال والمناقشة والتقييم
عندها تصبح الاستقلالية مطلبًا يدافع عنه الجميع، لا شعارًا يدافع عنه المجلس وحده
نحتاج إلى معادلة مؤسسية أكثر نضجًا
استقلالية في القرار… شفافية في الإدارة… مساءلة عن النتائج… ورقابة في حدود القانون
بهذه المعادلة نحمي الغرفة من التدخل، ونحمي الهيئة العامة من غياب المساءلة، ونحمي المجلس من التشكيك غير المستند إلى دليل، ونحمي المؤسسة من أن تصبح رهينة الأشخاص
فالغرف القوية ليست تلك التي لا يسألها أحد
الغرف القوية هي التي تستطيع أن تجيب

