تمهيد

أثارت التصريحات المتداولة لكل من رئيسي الوزراء الأردنيين الأسبقين، دولة الدكتور عمر الرزاز ودولة سمير الرفاعي، جدلاً نخبوياً حبيس أروقة السياسة ومنصات التواصل، بعيداً عن هموم المواطن الذي يكافح يومياً لتأمين لقمة العيش. فبينما دعا الرزاز إلى التمييز الفلسفي بين “الليبرالية والنيوليبرالية”، طالب الرفاعي بتطبيق “خطة مارشال عربية” وتحقيق “غلاسنوست وبيريسترويكا”

غير أن هذه الطروحات، رغم جهدها النظري، تظل خطابات منفصلة عن وقائع الاقتصاد المتردية، بل تعكس هروباً من مواجهة الحقائق الهيكلية. فالأردن لا يعاني من أزمة نموذج فكري يمكن تصحيحه بالاقتباس الانتقائي، بل من أزمة بنيوية متراكمة تجعل أي نقاش حول “نيوليبرالية” أو “بيريسترويكا” أشبه بنقاش حول لون طلاء المنزل الذي يحترق؛ فالمسألة ليست في اختيار اللون، بل في إخماد النيران التي تأكل الأساسات.

أولاً – الرزاز: بين دقة التنظير وكماشة الإكراه:

ومن الإنصاف للرزاز أن نعترف بأن تمييزه الفلسفي بين الليبرالية (كفلسفة سياسية ارتبطت بالحقوق والمساءلة) والنيوليبرالية (كمنهج اقتصادي أدى إلى تقليص دور الدولة وتعميق الفجوات) ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة تحليلية حقيقية في سياق يختلط فيه المصطلحان على الجميع، وتُستخدم النيوليبرالية كمرادف للرأسمالية المتوحشة دون أدنى دقة

رأى الرزاز أن العالم يعيش مرحلة انتقالية بين نظامين دوليين، وهو تشخيص نظري قد يكون دقيقاً في سياقه العالمي. لكن هذا الإنصاف لا يمنع من مواجهة الحقيقة الأكثر إزعاجاً: فمهما بلغت دقة التنظير، فإنه يصطدم بواقع أردني لا يبالي بهذه الفروقات الدقيقة؛ ففي الوجدان الشعبي، تحولت النيوليبرالية إلى دلالة مباشرة على تراجع الدولة الرعوية لصالح التحصيل الضريبي، وارتبطت بسياسات الخصخصة وتزايد الضغوط المعيشية. فالمواطن الذي يعاني ارتفاع الأسعار لا يفرق بين المصطلحين، لأن النتيجة واحدة من ناحية التأثير على جيبه

وهنا تبرز المفارقة الأعمق التي تتطلب إنصافاً تحليلياً مضاعفاً: ليس نقد الرزاز اتهاماً له بالازدواجية، بل كشفاً لتناقض خطابه في مواجهة إكراهاته. فحكومته (٢٠١٨-٢٠٢٠) جاءت في أعقاب احتجاجات واسعة، واستمرت في تنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي: “رفع الدعم، وتعديل أسعار الطاقة، وإصلاح الضرائب”. فإذا كان الرزاز يدرك أن النيوليبرالية تؤدي إلى تقليص دور الدولة، فلماذا واصل تطبيقها؟ الإجابة ليست في ضعف شخصيته، بل في أن مطرقة جداول الصندوق الملزمة كانت تحكم قراراته، وأن خطابه الفلسفي كان محاولة يائسة لتوفير غطاء فكري لسياسات لم يكن يملك حرية تغييرها. السؤال المشروع إذن ليس “لماذا لم يطبق فكره؟”، بل “كيف يمكن لأي رئيس وزراء، في ظل هذه الوصاية، أن يمارس سياسات مغايرة؟”

لكن هذا الفهم لا يبرر خطابه؛ إذ كان بإمكانه على الأقل أن يكون أكثر صراحة في وصف هذه الإكراهات للشارع، بدلاً من الانشغال بالتنظير الذي زاد الفجوة بين النخبة والمواطن، وجعل الناس تشعر بأنها تُخاطب بلغة لا تعكس وجعها اليومي، ولا تلمس حاجتها الماسة إلى حلول عملية، لا إلى تعريفات فكرية

ثانياً – الرفاعي؛ دهاء التفاوض مقابل وهن الريع

في المقابل، دعا الرفاعي إلى “خطة مارشال عربية” و”غلاسنوست وبيريسترويكا” لتحديث العلاقة بين الدولة والمواطن، مشيراً إلى عبء الديون الهائل. وهنا، وقبل نقده، يجب الإنصاف لدهائه السياسي: الرفاعي يدرك تماماً أن خطة مارشال بمفهومها التاريخي (التي وجِهت لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وتطلبت قاعدة صناعية متينة، وإرادة تكامل أوروبية، ومانحاً استراتيجياً في سياق احتواء المد الشيوعي) مستحيلة التحقق في غياب تلك الظروف. لكنه يستخدمها عمداً كخطاب تفاوضي موجه للمانحين في المحافل الدولية، لترسيخ صورة الأردن كـ”حصن الاعتدال” في منطقة مضطربة، وبما يستدعي استمرار تدفق الدعم، محولاً إياها من خطة تنموية إلى أداة ضغط دبلوماسية. إنها، إذاً، استمرار واعٍ للعقلية الريعية التي تعتبر الخارج مصدر القوت الأبدي

لكن هذا الدهاء، مهما كان بارعاً، يتحول إلى وهن تنموي؛ فالغلاسنوست والبيريسترويكا، في الأصل، سياستان أطلقهما غورباتشوف وكانت نتيجتهما انهيار الاتحاد السوفيتي، لا نهضته. كما أن هذا الاستيراد المصطلحي لتجربة فاشلة يعكس إما جهلاً تاريخياً، أو استهانة بالوعي الوطني. والأكثر تناقضاً أن دعوته إلى “خطة مارشال” تعني طلب المزيد من المساعدات، في حين أن الأردن يعاني أصلاً من اعتماد مزمن عليها، حيث تظل المنح تشكل رافداً مهماً للموازنة، وتمارس وصاية فعلية تفرض شروطاً نيوليبرالية تخنق أي هامش للتحرك الوطني. فكيف يمكن لوصفة تقوم على طلب المزيد من الريع أن تحل مشكلة الاعتماد على الريع؟ هذا التناقض الداخلي يكشف أن خطاب الرفاعي، وإن كان ذكياً في التعبير، يظل أسيراً لمنطق الاستجداء الخارجي، بعيداً عن روح المبادرة الوطنية المستقلة التي تستثمر الإمكانات الداخلية وتحرر القرار من هيمنة الآخر. فهو يراهن على كرم المانحين بدلاً من أن يراهن على قدرة الأردنيين على الإنتاج والاعتماد على الذات

ثالثاً – القيود المالية الجامدة؛ الدين العام ووصاية صندوق النقد:

غير أن كلا الطرحين، مهما اختلف دهاؤهما أو دقة تنظيرهما، يتجاهلان أو يتغافلان عن حقائق بنيوية تحكم الاقتصاد الأردني وتجعله يقاوم أي وصفة مستوردة

أول هذه الحقائق، وأكثرها إلحاحاً، هي عقدة الدين العام التي تعمل كطبلة أذن صماء لا تسمع خطابات النخبة ولا تفرق بين رئيس وزراء وآخر. فقد بلغ الدين العام 108% من الناتج المحلي (ومع استبعاد حيازات صندوق الضمان الاجتماعي: 83%)، مما يعني أن أكثر من 80% من كل ما ينتجه الأردن من سلع وخدمات في عام كامل مرهون لدائنين خارجيين

كما أن خدمة الدين العام تستحوذ على 12% من الناتج المحلي، وعلى حوالي 50% من إجمالي الإيرادات العامة، ومن المتوقع أن تزيد هذه النسبة بشكل كبير في المستقبل القريب

وتشكل الإيرادات الحكومية في الأردن ما نسبته ربع الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مستقرة نسبياً. ولكن، ونظراً لأن نحو نصف هذه الإيرادات العامة يذهب لخدمة الدين، فإن الحيز المتاح للإنفاق على التنمية والخدمات الأساسية يظل محدوداً، مما يبرز التحدي الأكبر في المالية العامة الأردنية: كيفية زيادة الإيرادات دون إثقال كاهل المواطن والاقتصاد، أو خفض الإنفاق الجاري لصالح الاستثمار

هذه الأرقام تُجبِر أي حكومة على السير في ممر ضيق لا يسمح بحرية الحركة، بل يفرض سياسة “البقاء على قيد الحياة” المالية

ويوضح التحليل السابق أن هذه النسبة تضع الأردن في نطاق “ضغط مالي حاد”، حيث تتراوح النسب الطبيعية للدول الناشئة ذات الأوضاع المالية القوية بين 10-20%، بينما ترتبط النسب التي تتجاوز 30% عادة بـ”ضغط مالي شديد، مما يوضح حجم الكماشة التي تتعرض لها الموازنة من الداخل (الدين) والخارج (الدفاع)، ويجعل أي حديث عن “تقليص دور الدولة” أو “تحويل الإنفاق من الاستهلاك إلى الاستثمار” اصطداماً بجدار السيادة والبقاء

والأخطر أن ارتباط الدينار بالدولار يحرم الأردن من أدوات السيولة النقدية التي تمتلكها دول مديونة مثل اليابان، محولاً إدارة الأزمة من معادلة وطنية إلى مسألة تفاوضية مع الخارج، حيث تتقلب السياسة المحلية على إيقاع أسعار الفائدة الأميركية المتذبذبة، لا على إيقاع احتياجات المواطن

يُضاف إلى هذا القيد المالي الجامد، قيد آخر لا يقل عنه إحكاماً، هو الوصاية الخارجية لصندوق النقد الدولي. ففي يناير 2024، وافق الصندوق على ترتيب تسهيل ممدد (EFF) لمدة أربع سنوات بقيمة 1.3 مليار دولار، تلاه في يونيو 2025 تسهيل للصلابة والاستدامة (RSF) بقيمة 700 مليون دولار، ليصبح المجموع نحو ملياري دولار مرتبطة بمراجعات دورية صارمة حتى 2028. هذا البرنامج ليس مجرد قرض، بل جدول زمني ملزم يُحدد ملامح السياسة المالية الأردنية: خفض الدين إلى 80%، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحرير الطاقة، وتعديل قانون الضمان الاجتماعي. وقد أنجزت السلطات الأردنية بحلول ربيع 2026 سلسلة مراجعات دورية حظيت بإشادة الصندوق. وهنا تكمن الحقيقة التي تغيب عن خطابات الرزاز والرفاعي على السواء: ما يطرحانه من “إصلاحات” و”إعادة هيكلة” ليس اختياراً وطنياً مستقلاً، بل هو تغليف أيديولوجي لقرارات اتخذت في واشنطن. فالصندوق لا يفاوض المصالح المحلية، بل يضع شروطه، وإن لم تلتزم الحكومة، توقفت التحويلات واهتز استقرار الدينار المرتبط بالدولار، مما يجعل أي حديث عن “نموذج وطني مستقل” خطاباً إنشائياً ما لم يُواجه هذا القيد الخارجي بصراحة، ويعترف بأن أكثر من نصف الكراسي حول طاولة المفاوضات يسيطر عليه مُقرِضون خارجيون لا يبالون بشبكات المصالح الداخلية، ولا يهمهم سوى استيفاء المؤشرات الكمية التي وضعوها في جداولهم

رابعاً – القيد الجغرافي؛ شح المياه واستيراد الطاقة كقبضتين على التنمية

غير أن القيد الخارجي، مهما كان قوياً، ليس الوحيد الذي يحد من أي نموذج تنموي وطني. فهناك قيد آخر، أكثر إلحاحاً وأقل قابلية للتفاوض، تفرضه الجغرافيا الطبيعية ذاتها: شح المياه المزمن والاعتماد شبه الكلي على استيراد الطاقة

فيما يتعلق بالمياه: يُصنف الأردن كثاني أكثر دول العالم فقراً في مصادر المياه، حيث تبلغ حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة 61 متراً مكعباً سنوياً، وهي الأدنى عالمياً وتقل بكثير عن حد الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب، وذلك بحسب بيانات وزارة المياه والري الأردنية لعام 2024. ويتوقع أن تنخفض هذه الحصة إلى 43 متراً مكعباً، بل وقد تصل إلى 30 متراً في حال عدم تنفيذ مشاريع المياه الكبرى في السنوات المقبلة

ومما يزيد الطين بلة، أن موسم الأمطار للعام السابق كان من أضعف المواسم في عقود، مما أدى إلى تراجع حاد في تخزين السدود، في ظل تغير مناخي يزيد من تقلبات الهطول وفترات الجفاف

وهذا الشح المائي ليس مجرد أزمة بيئية، بل هو قيد تنموي قاتل لأي حديث عن نهضة زراعية. فالزراعة في الأردن تستهلك نحو 51% من موارد المياه العذبة المتاحة، وفقاً لبيانات وزارة المياه والري والاتفاقيات الموقعة مع منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، بينما تتراوح تقديرات أخرى بين 50-52%. ورغم أن المملكة نجحت في خفض الاستهلاك الزراعي للمياه من نسب أعلى، فإن القطاع الزراعي لا يزال المستهلك الأكبر لهذا المورد الشحيح

وفي المقابل، تظل مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي متواضعة مقارنة بحجم استهلاكه من المياه، حيث بلغت 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، وهو يعتمد بشكل شبه كلي على الري، في ظل تزايد الطلب على المياه من القطاع المنزلي والصناعي. وهذا يعني أن الدعوة إلى تحول زراعي كركيزة للنمو تصطدم بحقيقة أن الأردن لا يملك المياه اللازمة لري مساحات زراعية جديدة، وأن التوسع الزراعي سيكون على حساب الاحتياجات المنزلية والصناعية، أو سيتطلب استيراداً للمياه؛ وهو أمر يصعب عملياً

وهذا الشح لا يقتصر على الزراعة، بل يمتد ليعيق أي توسع صناعي حقيقي، فالصناعات التحويلية (كالأدوية، والمنسوجات، والأسمدة، والصناعات الغذائية) هي بطبيعتها كثيفة الاستهلاك للمياه في عمليات التبريد، والتنظيف، والتصنيع، مما يجعل أي خطة للتحول الإنتاجي تصطدم بسقف مائي صلب لا يمكن تخطيه دون استيراد مياه، أو تحلية مكلفة، أو إعادة توزيع جذرية على حساب القطاع المنزلي

أما في مجال الطاقة: فيعتمد الأردن بشكل كبير على استيراد الطاقة، حيث تراوحت النسبة بين 76% (وفق أحدث بيانات وزارة الطاقة) وأكثر من 90% في السنوات السابقة. فرغم الجهود المبذولة في مجال الطاقة المتجددة، يظل الأردن مستورداً صافياً للنفط الخام ومشتقاته والغاز الطبيعي المسال. ويُشكّل استيراد النفط ومشتقاته أحد أكبر البنود المستوردة في الميزان التجاري الأردني، مما يثقل كاهل الموازنة ويجعل الاقتصاد الأردني رهينة لتقلبات أسعار النفط العالمية

وهذا الاعتماد على استيراد الطاقة ليس مجرد عبء مالي، بل هو قيد جيوسياسي وتنافسي قاتل؛ فارتفاع تكاليف الطاقة واللوجستيات في الأردن يُعد من بين الأعلى في المنطقة، مما يلتهم الهوامش الربحية للصناعات المحلية ويُفقدها قدرتها على المنافسة في الأسواق الخارجية، ويجعل أي منتج أردني (عدا القليل من السلع الأولية) غير قادر على مجاراة نظيره المصري أو التركي أو حتى الصيني، ليس بسبب الجودة، بل بسبب فارق تكاليف التشغيل التي تبدأ من فاتورة الكهرباء ولا تنتهي بتكاليف النقل البحري والنهري الباهظة

وهذه المعضلة المائية-الطاقية تخلق مفارقة قاتلة: فالدعوة إلى “تحول صناعي” كخروج من عنق الزجاجة المالي تصطدم بجدار مادي صلب، وتجعل الخيارات التنموية الواقعية محدودة للغاية، وتفرض إما التخلي الطوعي عن الصناعات كثيفة الاستهلاك، أو قبول تكلفة إنتاج مرتفعة تجعل المنتج الأردني غير قادر على المنافسة، أو إعادة توزيع جذرية للموارد المائية من الزراعة إلى الصناعة، مما يعني التضحية بالأمن الغذائي طواعية. وهذا القرار الأليم هو ما تتجنب النخب مناقشته، مفضلة الهروب إلى شعارات “النهضة” السحرية التي تتجاهل أن الجغرافيا هي قدر، قبل أن تكون خياراً

خامساً – القيود الهيكلية الداخلية؛ النمو البطيء، والبطالة المستعصية، وهشاشة القطاع الخاص، وشبكة المصالح

غير أن هذه القيود المالية والتمويلية، مهما كانت خانقة، لا تنفصل عن قيود هيكلية أخرى لا تقل إلحاحاً، لأنها تتعلق بتركيبة الاقتصاد الأردني نفسه، أي ببنية الإنتاج والتشغيل وليس فقط بحجم الديون

وقبل تفصيل هذه القيود الهيكلية، لا بد من كشف اليد الخفية التي تشوهها وتجعلها مقاومة لتوجهات الإصلاح؛ ألا وهي شبكة المصالح الراسخة التي تتكون من ثلاث حلقات رئيسية متشابكة: فالحلقة الأولى هي نخب رجال الأعمال التي تستفيد من العقود الحكومية، والتهرب الضريبي، والإعفاءات الجمركية، والامتيازات الخاصة، وتحتكر فعلياً قطاعات حيوية، مما يُعيد توجيه الموارد نحو الريع بدلاً من الاستثمار الإنتاجي. والحلقة الثانية هي الجهاز الإداري الحكومي المتضخم الذي يبلغ تعداده مئات الآلاف، والذي يرى في أي تقليص حقيقي للإنفاق أو إصلاح إداري جذري تهديداً لوجوده ومكتسباته، فيقاوم أي تغيير بشراسة مستتراً خلف خطابات الحماية الاجتماعية، محولاً إياه من أداة خدمة إلى عقبة أمام أي تحديث. والحلقة الثالثة هي القطاع المصرفي الذي يستفيد بشكل مباشر من ارتفاع أسعار الفائدة على أدوات الدين الحكومي، ومن استمرار سياسات التقشف التي تضمن عوائد مرتفعة على السندات، مما يخلق تحالفاً صامتاً بين المصالح المالية والسياسات التقييدية، إذ يُفضِل المصرفيون إقراض الدولة بفوائد مضمونة على تمويل مشاريع صناعية محفوفة بالمخاطر

هذه الحلقات الثلاث هي السبب الجذري في تشوه النمو وهشاشة القطاع الخاص، لأنها تُعيد توجيه الموارد نحو الريع والإقراض الآمن، بعيداً عن الاستثمار الإنتاجي الجريء، وتجعل أي محاولة للإصلاح تصطدم بجدار من المصالح المتراكبة التي تُفضِل استمرار الوضع الراهن على أي تغيير قد يهدد مكتسباتها. هذا التشوه الهيكلي يظهر في ثلاثة مظاهر رئيسية

أولاً، ينمو الاقتصاد بنحو ٢.٨٪ سنوياً، وهو بالكاد يواكب النمو السكاني (٢٪)، بينما يحتاج إلى معدل نمو ٥-٦٪ لاستيعاب ١٣٠ ألف وافد جديد سنوياً، في وقت لا يُستحدث فيه سوى ٩٦ ألف فرصة عمل. وهذا يعني أن النمو الحالي لا يترك فائضاً يُذكر لتحسين مستويات المعيشة، بل هو نمو يقتصر على التكاثر السكاني دون تنمية حقيقية مستدامة، وكأن الاقتصاد ساكن في مكانه بينما يزداد عدد راكبين الحافلة

وثانياً، تبلغ البطالة الإجمالية ١٦.١٪، لكنها تتجاوز ٤٠٪ بين الشباب و٣٢.٧٪ بين الإناث، في اختلال هيكلي عميق بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، حيث توجد آلاف الوظائف الشاغرة في الزراعة والبناء والصناعة، لكن العاطلين -ومعظمهم من حملة الشهادات- لا يرغبون في شغلها، مفضلين البقاء في طوابير الانتظار على الانخراط في مهن يعتبرونها دون مستواهم

أما ثالثاً، فيعاني القطاع الخاص من تشوه جوهري: أكثر من ٩٠٪ من المنشآت العاملة هي من الفئات الصغيرة ومتناهية الصغر حجماً، لكنها توظف أقل من نصف القوى العاملة، بينما تغيب الشركات المتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصادات الناهضة. وهذا الغياب ليس صدفة، بل نتيجة لسياسات إقراض مصرفي منحاز للشركات الكبرى (حيث تُشكل الصغيرة والمتوسطة أقل من ١٠٪ من مجمل الإقراض)، وبيئة ضريبية وإدارية معقدة تثبط التوسع، وتكاليف طاقة ولوجستية مرتفعة تلتهم الهوامش الربحية

هذه القيود الهيكلية السابقة تجعل أي وصفة تنموية، سواء كانت ليبرالية أو اشتراكية، تصطدم بواقع لا يملك فائضاً يُعاد توزيعه، ولا قاعدة إنتاجية قابلة للتوسع السريع؛ بل هو واقع مختنق بتراكماته التي تعود لعقود مضت.

سادساً – القيد المفقود؛ أزمة العرف المجتمعي، والجذر التعليمي، ومعضلة التمويل، وصراع المصالح

غير أن هناك قيداً أعمق وأكثر إلحاحاً من كل ما سبق، تغيب مناقشته تماماً عن خطابات النخبة الاقتصادية، إنه البعد الاجتماعي-الثقافي الذي يُشكل الخلفية غير المرئية لكل الأرقام والسياسات. فالأردن لا يعاني فقط من عجز مالي أو اختلال هيكلي، بل من أزمة تطلعات اجتماعية متأصلة. الجامعات تُخَرِج آلافاً من حملة الشهادات الذين يرفضون العمل في قطاعات الزراعة والصناعة والبناء، رغم وجود آلاف الوظائف الشاغرة سنوياً فيها. تحولت “الوظيفة الحكومية” إلى قيمة مجتمعية متأصلة، ورمز للهيبة والاستقرار، بينما صار العمل اليدوي وصمة، والإنتاج الحقيقي مجرد خيار ثانوي للمهمشين

والسبب الجذري لهذا الاختلال ليس ثقافياً فحسب، بل تعليمياً بامتياز. فالجامعات الأردنية، بمناهجها التي لم تكن تُحدَّث باستمرار، تُنتج خريجين مُعدين لوظائف لا وجود لها في سوق العمل الفعلي، وتُكرس منذ الصغر أولوية “القلم” على “الأداة”، والكرسي الحكومي على ورشة الإنتاج. فالجامعة تبيع الطالب وهماً بأنه سيصبح “موظفاً” لا “عاملاً”، وعندما يصطدم بالواقع المرير، يُفضل البقاء عاطلاً عن العمل الذي لا يليق بشهادته، بدلاً من الانخراط في مهنة حقيقية. هذا الاختلال الثقافي-التعليمي هو أعقد من أن تعالجه نظريات الصندوق أو خطابات النهضة؛ فهو يحتاج إلى إعادة هندسة مجتمعية وتعليمية تستغرق جيلاً كاملاً، وتفكك هذه المعادلة المسمومة بين الكرامة والوظيفة الحكومية، وتعيد تعريف النجاح على أساس الإنتاج، لا على أساس الحصول على ورقة تخرج مختومة

غير أن هذا التشخيص الدقيق يصطدم بمعضلة تمويلية لا تقل إلحاحاً: كيف يمكن تمويل إصلاح تعليمي بهذا العمق في بلد يُخصص أصلاً أكثر من ١٢٪ من إيراداته لخدمة الدين العام، ونحو ٥٪ من ناتجه للإنفاق الدفاعي، ويستضيف أعباء لاجئين تلتهم الموازنة؟ فإعادة تأهيل المعلمين، وتحديث المناهج، وربط مخرجات الجامعات بسوق العمل، وبناء مدارس مهنية حديثة؛ كلها مشاريع ضخمة تتطلب استثمارات لا تملكها الدولة في ظل مطرقة الصندوق وكماشة الدين
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: فالقيد الثقافي-التعليمي، وهو الأعمق والأطول أمداً، هو أيضاً الأكثر احتياجاً إلى تمويل، لكن التمويل نفسه مرهون بسياسات تقشفية تعيق أي استثمار طويل الأمد في البشر. وهذه الحلقة المفرغة هي ما يجعل الأزمة الأردنية أعمق من أن تحلها أي وصفة اقتصادية عابرة، لأنها تتطلب كسراً متزامناً لقيود التمويل والثقافة معاً، وهو ما يبدو، في الظروف الراهنة، أشبه بالمطلب المستحيل

يضاف إلى ذلك أن معضلة التمويل ليست العقبة الوحيدة في طريق الإصلاح التعليمي، بل هناك عقبة أخرى أكثر إيلاماً وأقل نقاشاً: فالنظام التعليمي الأردني، وخصوصاً الجامعات الخاصة المنتشرة في المدن الكبرى، ليست مجرد مؤسسات أكاديمية محايدة، بل هي جزء لا يتجزأ من شبكة المصالح التي يحاول هذا المقال كسرها. فالعديد من هذه الجامعات يملكها أشخاص نافذون من النخب وأصحاب المال، الذين يستفيدون بشكل مباشر من استمرار تخريج آلاف العاطلين عن العمل، لأن ذلك يضغط على سوق العمل ويُبقي الأجور منخفضة، ويغذي الطلب على الوظائف الحكومية التي تبقيهم في دائرة النفوذ السياسي

إضافة إلى ما تقدم، تستفيد هذه الجامعات من الرسوم الدراسية المرتفعة التي تدفعها الأسر الأردنية، بينما تُخرج كوادر غير مؤهلة لسوق العمل الفعلي، مما يحول التعليم العالي من أداة للتنمية إلى أداة لتعزيز التبعية الاجتماعية واستمرار الهيمنة النخبوية. وهذا يعني أن أي محاولة لإصلاح المناهج أو ربطها بسوق العمل أو تحويلها نحو التعليم المهني، ستصطدم ليس فقط بعجز في الموازنة، بل بجدار من المصالح السياسية والمالية الراسخة التي تمتلك هذه الجامعات. وهنا تتكشف الحلقة المفرغة في أعمق صورها: إصلاح التعليم يتطلب تمويلاً، لكن التمويل مرهون بتقشف الصندوق، وتقشف الصندوق يعزز قوة النخب المصرفية والتجارية، وهذه النخب نفسها تمتلك الجامعات التي تعيق الإصلاح التعليمي. فكيف يمكن كسر هذه العقدة دون مواجهة صريحة مع هذه المصالح المتراكبة؟ هذا السؤال هو جوهر الأزمة، وهو ما يظل، في غياب إرادة سياسية قوية، أشبه بالمعضلة المستحيلة

سابعاً – القيد الإقليمي-الجيوسياسي؛ الجوار كعبء وجودي:

يضاف إلى كل هذه القيود الداخلية قيد خارجي لا يقل حسماً، تفرضه الجغرافيا السياسية: الجوار المضطرب الذي يعمل كنافذة زائفة للحراك، تارة تفتح آمالاً وهمية بالدعم الخارجي، وتارة تُغلق بإحكام بفعل الأزمات الإقليمية. فالأردن يحد إسرائيل وسوريا والعراق، مما يفرض إنفاقاً دفاعياً يتجاوز ٥٪ من الناتج المحلي (نحو ٢.٥ مليار دولار سنوياً)، وهو استثمار في البقاء لا يمكن تفاديه، ولا يقبل أي حكومة المساومة عليه. ويستضيف نحو ٤٢٧ ألف لاجئ سوري حالي مسجل، إضافة إلى ٢.٤ مليون فلسطيني، بأعباء سنوية تقدر بنحو ١.٦ مليار دولار على البنية التحتية والخدمية، ناهيك عن الكلفة التراكمية التي تجاوزت ١٠ مليارات دولار خلال العقد الماضي. كما أن إغلاق معبر جابر-نصيب المتكرر بسبب الأوضاع في الجنوب السوري يعطل التجارة ويكبد الاقتصاد خسائر يومية تصل إلى ١٥ مليون دولار، مما يجعل حركة التصدير والاستيراد رهينة للأحداث الأمنية، لا للخطط التنموية. هذه التكاليف الوجودية تجعل الأردن دولة “ترد على الأحداث” أكثر مما “تخطط لنهضتها”، وأي نموذج تنموي يتجاهل هذا الواقع يكون كمن يخطط لبناء منزل في منطقة زلازل دون مراعاة فحص التربة، متجاهلاً أن الكارثة قد تأتي من الخارج قبل أن تبدأ من الداخل، وأن الاستقرار الإقليمي هو شرط مسبق لأي طموح تنموي، وليس مجرد خلفية سياسية

ثامناً – إشكالية استيراد الحلول؛ بين الاقتباس الأعمى والاستلهام الذكي (نقد الذات)

غير أن الإنصاف مع النقد يقتضي الاعتراف بتناقض دقيق، يكاد يكون خفياً، يمر عبر نسيج هذا التحليل برمته، ويستحق وقفة تأمل وتدبر. ففي صلب المقال، نُقِد الرزاز والرفاعي بشدة لاستيرادهما حلولاً جاهزة من سياقات تاريخية وسياسية مختلفة؛ خطة مارشال، غلاسنوست، بيريسترويكا، والتمييز الفلسفي بين الليبرالية والنيوليبرالية. واتُهمت هذه الاستعارات بأنها “وصفات مستوردة” لا تتناسب مع خصوصية الأردن. غير أن الخاتمة التي تُقترح كبديل، والتي تتضمن “إعادة هيكلة الدين عبر مفاوضات هجومية” و”إصلاح ضريبي تصاعدي” و”تحول من اقتصاد خدماتي ريعي إلى اقتصاد إنتاجي تصديري”، هي في جوهرها أدوات مستوردة أيضاً من تجارب أميركا اللاتينية (الأرجنتين، الإكوادور في مفاوضات الديون)، ومن النماذج الاشتراكية الأوروبية (الضريبة التصاعدية، الدولة الاجتماعية)، ومن النماذج التنموية لشرق آسيا (التحول من الريع إلى الإنتاج)

فالفرق بين “استيراد أعمى” و”استلهام ذكي” ليس فرقاً في المصدر، بل فرق في طريقة التعامل مع المصدر. فالرزاز والرفاعي استوردا النماذج كاملة، بما فيها سياقاتها التاريخية وإطارها الفلسفي، وعرضاها وكأنها نصوص مقدسة صالحة لكل زمان ومكان، دون أن يخضعاها لاختبار التوافق مع القيود الأردنية. أما النهج النقدي الذي يُقترح هنا، فهو يقوم على استلهام الأدوات من تجارب الآخرين، مع “تكييفها” بما يتناسب مع الظروف المحلية قبل تطبيقها، ومواجهة القيد الخارجي (صندوق النقد) بوصفه جزءاً من المعادلة، لا خلفية لها

هذا التمييز بين “استيراد النماذج” و”استلهام الأدوات” هو جوهر أي نهضة وطنية حقيقية. فالدول التي حققت نهضاتها لم تخترع كل شيء من الصفر، بل استعارت أدوات وتقنيات من الآخرين، لكنها صاغتها في سياقها الخاص، وعدلتها بما يتناسب مع قيودها، وفرضتها على مصالحها الداخلية رغم مقاومتها

سنغافورة خير شاهد على ذلك: دولة بلا موارد طبيعية، ولا مياه، ولا مساحة، تحولت خلال جيل واحد من مستنقع فقر إلى معجزة اقتصادية، ليس لأنها استوردت خطة مارشال أو بيريسترويكا، بل لأنها استلهمت أدوات التخطيط طويل الأمد من تجارب الآخرين، وصاغتها في سياقها الخاص، وبنَت دولة المؤسسات على حساب الاحتكارات الفردية

وكوريا الجنوبية، التي كانت أفقر من الكثير من الدول العربية في ستينيات القرن الماضي، لم تنهض بخطابات نخبوية مستوردة، بل بكسر احتكار النخب الزراعية والتجارية القديمة، وتطعيم مؤسساتها بنخب تكنوقراطية جديدة تؤمن بالصناعة والتصدير، وتخطط لعقود قادمة لا لانتخابات قريبة

والصين، في تحولها من دولة زراعية متخلفة إلى قوة عظمى، لم تكتفِ بإعادة تدوير النخب الشيوعية التقليدية، بل فتحت الباب أمام كوادر إصلاحية جديدة، وخلقت منظومة تخطيط طويل الأمد جعلت منها اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم. هذه النماذج تثبت أن النهضة ليست رهناً بوصفة جاهزة، بل بقدرة الدولة على تجديد نخبها، وكسر احتكاراتها، وتطعيم مؤسساتها بدماء واعية تخطط لعقود، لا بأيديولوجيات تكرر أخطاء الماضي

ولكي لا تبقى هذه النماذج في دائرة الإعجاب النظري، لا بد من سؤال عملي: ماذا فعلت هذه الدول بالضبط في مراحلها الأولى، وما هي الإجراءات التي يمكن استلهامها في السياق الأردني؟

في سنغافورة، كانت الأولوية الأولى ليست البحث عن “خطة مارشال” أو “مساعدات خارجية”، بل بناء مؤسسة تخطيط مركزية (هيئة التنمية الاقتصادية) تتمتع بصلاحيات استثنائية، وتعمل خارج بيروقراطية الوزارات التقليدية، وتضع خططاً لعشرين عاماً قادماً، لا لموازنة سنة واحدة. أما الإجراء العملي الأول فكان كسر احتكار التجار للاقتصاد عبر سياسة “الأجور المرتبطة بالإنتاجية” التي حفزت العمال على رفع كفاءتهم، مع استيراد خبرات أجنبية مؤقتة لنقل المعرفة؛ ليس كبديل عن العمالة المحلية، بل كتطعيم مؤقت للارتقاء بمستوى التدريب

أما كوريا الجنوبية، فكانت أولويتها الأولى ليست تحرير الأسواق فوراً، بل حماية الصناعات الناشئة عبر سياسات حماية ذكية، وإقراض بنكي موجه للقطاعات التصديرية بفوائد مدعومة، وربط التمويل الحكومي بأداء الشركات في الأسواق العالمية. وكان الإجراء الأكثر جرأة هو كسر احتكار النخب الزراعية للأراضي، وإعادة توزيعها على الفلاحين، ثم تحويل الفائض الزراعي إلى تمويل للتصنيع، عبر مؤسسة تخطيط واحدة هي “وكالة التخطيط الاقتصادي” التي ظلت لسنوات تتحكم بتدفق الاستثمارات حسب الأولويات الوطنية، لا حسب رغبات الغرب أو أصحاب النفوذ

أما الصين، فكانت أولويتها الأولى هي تغيير تركيبة النخبة الحاكمة ذاتها: من قادة أيديولوجيين إلى تكنوقراط مهندسين واقتصاديين، مع خلق نظام “التخطيط الخماسي” الذي يربط كل وزارة ومؤسسة بأهداف كمية قابلة للقياس، ويُكافئ النجاح ويُعاقب الفشل. والإجراء العملي الأهم كان فتح الباب أمام الكفاءات الشابة في الحزب والدولة، وتطعيم الإدارة العامة بدماء جديدة، مع إبقاء الإطار السياسي القديم كغطاء للاستقرار، لكن مع تغيير جذري في آليات اتخاذ القرار اليومي

هذه الإجراءات، رغم اختلاف سياقاتها التاريخية والسياسية، تشترك في ثلاث قواسم رئيسية يمكن استلهامها في الأردن: الأولى، خلق مؤسسات تخطيطية فوق وزارية تعمل بعقود زمنية طويلة (لا تقل عن ١٥ عاماً)، ومحمية من تقلبات الحكومات المتعاقبة. الثانية، كسر احتكار النخب التقليدية للقطاعات الحيوية (الأرض، التمويل، التعليم، الصحة، العقود الحكومية) عبر إعادة هيكلة للإقراض المصرفي، واستهداف الإعفاءات الضريبية، وربط التمويل الحكومي بمعايير الأداء. والثالثة، تطعيم مؤسسات الدولة بنخب إدارية وتكنوقراطية جديدة، ليس عبر “إعادة تدوير النخب” أو “انتخابات عامة يسيطر عليها المال السياسي” أو “محسوبيات تعتمد على تبادل المصالح”، بل عبر مسابقات تنافسية شفافة، وتدريب مكثف، وتناوب وظيفي إجباري يمنع تراكم الفساد، وتقييم أداء مرتبط بتحقيق الأهداف. هذه القواسم الثلاث، وإن كانت شاقة وتحتاج إلى إرادة سياسية استثنائية، هي جوهر أي نهضة، وهي بالضبط ما تغيب عن خطابات الرزاز والرفاعي، وما يجب أن يحضر في أي رؤية وطنية بديلة

وإذا أردنا ترجمة هذا التمييز إلى ممارسة عملية، فلا بد من الاعتراف بأن تجارب الأرجنتين والإكوادور في مفاوضات الديون غير قابلة للنسخ في الأردن، لأننا لا نملك عملة مستقلة، ولا موارد زراعية أو طاقية كورقة ضغط، ولا مرونة التخلف عن السداد. ورقة التفاوض الأردنية الوحيدة هي الجيوسياسية الخالصة: استغلال دور الأردن كدولة حاجزة، وحليف في استقرار سوريا وفلسطين، لتحويل “الريعية الأمنية” إلى “شراكة استراتيجية” تُقدم مقابل إعادة هيكلة جذرية للديون، وليس مجرد طلب إعادة جدولة. فعلى سبيل المثال، يمكن للأردن أن يطرح على طاولة صندوق النقد والمؤسسات المانحة مقايضة واضحة وجريئة: استمرار الأردن في تحمل أعباء استضافة أكثر من ٤٢٧ ألف لاجئ سوري، مع ما يستتبعه ذلك من تكاليف خدماتية وبنى تحتية وأمنية تقدر بمليارات الدولارات، مقابل إعادة هيكلة شاملة للدين تشمل تخفيضاً في قيمة أصل القروض أو إعادة جدولتها بفائدة صفرية ولمدد طويلة (لا تقل عن عشرين عاماً)، بدلاً من إعادة التمويل القصير الأجل الذي يزيد الأعباء ويُبقِي الدولة في دائرة الاستدانة المفرغة

وبالمثل، يمكن مقايضة الدور الأردني كحاجز أمني في مواجهة التهديدات الإقليمية، ودرع للاستقرار في منطقة ملتهبة، بتحويل نسبة معتبرة من المساعدات العسكرية والاقتصادية إلى منح تنموية غير قابلة للرد، تدعم مشاريع البنية التحتية للمياه والطاقة، وتُحرر الموازنة من أقساط السداد السنوية التي تلتهم كل فائض. هذا هو جوهر “المفاوضات الهجومية” في السياق الأردني، وهو ما يتطلب دهاءً دبلوماسياً، لا جرأة مالية

غير أن طرح هذه المقايضة الجريئة يظل مشروطاً بسؤال محوري: ماذا لو قوبل هذا الطرح بالرفض من جانب صندوق النقد أو المانحين الغربيين؟ في هذه الحالة، لا يمكن للأردن أن يكتفي بالانتظار أو القبول السلبي، بل يحتاج إلى خطة تفاوضية بديلة. ويتمثل الخيار الأول في التخلف الانتقائي عن سداد بعض أقساط الدين، مع توجيه السيولة المتاحة نحو تمويل شبكات الأمان الاجتماعي والإنفاق التنموي العاجل، تماماً كما فعلت الأرجنتين في مفاوضاتها مع الصندوق، مع إدارة تداعيات ذلك على التصنيف الائتماني عبر خطاب سياسي حازم يشرح للأسواق المحلية والدولية أن هذا إجراء علاجي وليس إفلاساً، وأن هدفه تصحيح خلل هيكلي في شروط الاستدانة لا يمكن تحمله أكثر من ذلك. أما الخيار الثاني، فيتمثل في البحث عن تحالفات تمويلية بديلة، كالتوجه نحو الصين أو دول الخليج للحصول على تمويل موازٍ بشروط أقل تدخلاً في الشأن الداخلي وأطول آجلاً، أو التنسيق مع دول تعاني من أوضاع مشابهة لتشكيل كتلة ضغط تفاوضية مشتركة في محافل الصندوق، ترفع سقف المطالب وتكسر احتكار المؤسسة الواحدة للقرار التمويلي

غير أن هذه الخيارات البديلة تحمل في طياتها مخاطر جيوسياسية واقتصادية لا تقل إيلاماً: فالتخلف عن السداد قد يؤدي إلى تجميد أرصدة أردنية في الخارج، وتقليص التصنيف الائتماني الذي يرفع تكلفة الاقتراض المستقبلي، وقد يدفع المانحين التقليديين إلى تعليق مساعداتهم الحيوية. أما التوجه نحو بدائل شرقية أو خليجية، فيأتي غالباً بشروط سياسية وأمنية قد تُفقِد الأردن جزءاً من استقلالية قراره الوطني. وفي أسوأ الأحوال، قد تؤدي هذه الخيارات إلى تسريع سيناريو التدهور المُدار الذي سنتحدث عنه لاحقاً، حيث تبقى الدولة قائمة ومستمرة في أداء وظائفها السيادية، لكنها تفقد قدرتها على التفاوض مع المُقرِضين والمانحين من موقع قوة. وهذا كله يؤكد مجدداً أن أي مفاوضات هجومية تحتاج إلى جرأة سياسية واستعداد لتحمل تبعات الرفض، وليس مجرد حسن نية تجاه الطرف الآخر، وإلى وعي كامل بأن المناورة في هذا الممر الضيق تتطلب دهاءً يستثمر كل أوراق الضغط المتاحة، ويوازن بين المخاطر قصيرة الأمد والمكاسب طويلة الأمد

وإعادة هيكلة الدين يجب ألا تكون مجرد نسخ لتجربة الأرجنتين، بل يجب أن تنطلق من واقع الدين الأردني المرتبط بالدولار، ومن شبكات المصالح الداخلية التي تستفيد من استمرار هذا الدين. والإصلاح الضريبي التصاعدي يجب ألا يكون مجرد رفع للضرائب على الأغنياء، بل يجب أن يرتبط بإصلاح شامل للإدارة الضريبية ومكافحة التهرب، وكسر احتكار النخب للقطاعات الحيوية. والتحول الإنتاجي يجب ألا يكون مجرد شعار، بل يجب أن يرتبط بموارد الأردن الفعلية (لا الطموحة)، وبإمكانياته الجغرافية (لا أحلامه)، وبقيوده الخارجية (لا إنكارها)، وبجواره الإقليمي المضطرب (لا تجاهله). فهذه الجبهات الأربع هي الإطار المتكامل لأي رؤية وطنية قابلة للتطبيق، وليست قائمة أمنيات منفصلة

خاتمة – بين الإصلاح الطموح، والترقيع الذكي، والتدهور المُدار:

إن ما يقدمه الرزاز والرفاعي هو وجهان لعملة واحدة: محاولة استيراد حلول جاهزة من سياقات مختلفة، دون مواجهة القيود المتلازمة التي تفرضها الديون، وصندوق النقد، والجغرافيا الطبيعية، والجوار الإقليمي، والتركيبة الاجتماعية-التعليمية

النهضة الحقيقية لا تحتاج إلى تنظير فلسفي أو استعارات تاريخية براقة، بل إلى مواجهة صريحة لهذه القيود عبر استراتيجيات عملية على أربع جبهات متداخلة: (١) كسر احتكار النخب، وإصلاح الجهاز الإداري المتضخم عبر تحالفات اجتماعية ذكية تستغل التناقضات الداخلية، (٢) إعادة هيكلة الدين بمفاوضات هجومية تستثمر الموقع الجيوسياسي كورقة ضغط، (٣) التحول إلى اقتصاد قائم على “إدارة الندرة” (السياحة العلاجية، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا المعرفية، والزراعة الذكية، والغاز الطبيعي) بدلاً من التوسع الهدر (النماذج التنموية كثيفة الاستهلاك)، و(٤) استراتيجية دبلوماسية نشطة تحول عبء اللاجئين والأزمات الإقليمية إلى فرص تنموية عبر جذب استثمارات دولية في مناطق الاستضافة

غير أن الحديث عن “شبكة الفيتو” الداخلية، وهو أخطر تحدٍ يواجه أي إصلاح، لا بد من تفكيكه إلى حلقاته الملموسة (أي إلى فاعلين محددين، ومصالح مكشوفة، وآليات عمل واضحة) ليصبح قابلاً للمواجهة، وليس مجرد اتهام عام

كسر هذه الشبكة المكونة من ثلاث حلقات رئيسية متشابكة -كما سلف ذكره-، لا يمكن أن يتم بمواجهة شاملة، بل بسياسة التجزئة الذكية: تحييد جزء من هذه النخب عبر حوافز انتقائية تشركهم في الإصلاح، وإضعاف جزء آخر عبر فضح الفساد وتعزيز الرقابة، واستمالة جزء ثالث عبر وعود بإصلاح يحمي مصالحهم في إطار جديد مفيد للدولة. وهذا يتطلب، كما سنرى، بناء غطاء شعبي وتحالف اجتماعي هو الشرط المسبق لأي خطوة جريئة، إضافة إلى حكومة إنقاذ ذات صلاحيات واسعة

ولكي لا تظل هذه الرؤية فضفاضة، لا بد من تحديد تسلسل زمني واقعي لها: تبدأ المرحلة التمهيدية والأهم ببناء غطاء شعبي وسياسي حقيقي، ليس احتجاجياً صرفاً، بل تحالفاً يستغل التناقضات داخل النخبة نفسها، ويُصاغ بخطاب “السيادة الوطنية” لتوفير حماية ضد الملاحقة الأمنية (أي يُقدم أي مطلب إصلاحي كضرورة للحفاظ على استقلال القرار الوطني، لا كمعارضة للنظام، مما يُخرِج المبادرين من تهمة “مناوئة الحكم”

وهنا يبرز السؤال العملي الأكثر إلحاحاً: من سيكون الفاعل المباشر في بناء هذا الغطاء؟ وكيف سيتحرك في بيئة أمنية رادعة ومجتمع مرهق؟ (أي مجتمع منهكٍ اجتماعياً واقتصادياً بعد سنوات من الأزمات المتراكمة والمتعاقبة، وفقدان الثقة بالحكومة والبرلمان والنخب، وتراجع القدرة على الاحتجاج أو التنظيم الشعبي، مما يجعله أكثر ميلاً إلى الحيطة والحذر، وخصوصاً في ظل غياب أحزاب سياسية قوية وقادرة)

يمكن أن يقوم بهذا الدور تحالف من شخصيات إصلاحية ذات ولاء ونفوذ مؤسسي عميق (كوزراء سابقين مستقلين، وقيادات عسكرية متقاعدة، وأكاديميين مرموقين، ونقابيين فاعلين) يعملون عبر الضغط المؤسسي، مستثمرين هواجس النخبة ذاتها من استمرار التدهور الاقتصادي، ليقدموا أنفسهم كـ”شبكة إنقاذ وطني” لا كـ”معارضة شعبوية”. هذا النمط من التحرك يمنح الغطاء شرعية داخلية، ويجنبه التصنيف الأمني، ويوفر ممراً تفاوضياً مع مراكز القرار دون الدخول في مواجهة تصادمية مكشوفة، كما يوفر تيار قوي يُستخدم كورقة ضغط لكبح جموح صندوق النقد وبقية المُمولين، وبالتالي تحسين شروط الإقراض

ثم تأتي المرحلة الثانية بطرح الإصلاح الضريبي التصاعدي وإحكام إجراءات منع التهرب لخلق إيرادات إضافية، تليها المرحلة الثالثة بتعديل قانون الضمان الاجتماعي وتقليص الجهاز الحكومي، وأخيراً المرحلة الرابعة بالتحول الإنتاجي الفعلي واستثمار فائض الموازنة في القطاعات الواعدة

غير أن التاريخ الأردني، والسياسات الواقعية، تشير إلى أن سيناريو “النهضة الكبرى” أو “كسر الفيتو الجذري” قد لا يكون الأكثر ترجيحاً، كما أن سيناريو “الانهيار المدوي” يبدو مستبعداً في المدى المنظور. بل إن السيناريو الأكثر واقعية، والأكثر تكراراً في العقود الماضية، هو “سيناريو الترقيع الذكي” أو “البقاء مع تحسينات هامشية”؛ حيث تستمر الدولة في أداء وظائفها السيادية والأمنية، وتُجري إصلاحات جزئية وترقيعية هنا وهناك (كتعديلات ضريبية محدودة، أو تحسين طفيف في بيئة الأعمال، أو إعادة جدولة ديون قصيرة الأجل) دون أن تمس شبكات المصالح الراسخة أو تعيد هيكلة الدين بشكل جذري

غير أن هذا الترقيع الذكي، في سياق وصاية صندوق النقد، لا يعني خياراً مستقلاً أو مناقضاً لشروط الصندوق؛ بل هو في جوهره الامتثال الأدنى للشروط الكمية التي يفرضها الصندوق (كتخفيض العجز المالي إلى النسب المستهدفة، وتحقيق معدلات معينة لتحصيل الإيرادات، والوفاء بمواعيد سداد أقساط الدين)، مع تعطيل أو تأجيل الشروط النوعية الأكثر إيلاماً التي تمس بنية الإدارة ومكافحة الفساد وكسر الاحتكارات

وهذا ما يفسر كيف تظل الدولة قادرة على اجتياز مراجعات الصندوق دورياً وتحظى بإشادته، بينما يظل المواطن يعاني من تآكل مستمر في خدمات التعليم والصحة والبنية التحتية، لأن الإصلاحات الجوهرية تُستبدل بترقيع شكلي يُبقي النخب في مواقعها، ويُبقي الدولة في دائرة الاستدانة دون أن يمس جذور الفساد والهدر.
في هذا السيناريو، تبقى الدولة واقفة على قدميها، وتظل النخب في مواقعها، ويواصل المواطن معاناته اليومية دون كارثة كبرى، في “برزخ دائم” (أي حالة وسطية لا هي بالخلاص المنشود ولا هي بالكارثة المدمرة؛ يعيش فيها المجتمع في جمود مؤلم بين غدٍ أفضل لا يأتي وخوفٍ لا يتحقق)، حيث يتحول الأردن إلى دولة تدير تدهورها البطيء ببراعة، وتحافظ على استقرارها الأمني مقابل استمرار تآكل اقتصادها الاجتماعي. وهذا السيناريو، رغم كونه أقل إلهاماً من سيناريو النهضة، وأقل دراماتيكية من سيناريو الانهيار، هو الأكثر انسجاماً مع منطق السياسات الأردنية التقليدية التي تُفضل “إدارة المرض والتعايش معه” على “العلاج عبر عملية جراحية ثم التعاف

غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذه المراحل الأربع، مهما كانت منطقية، تفترض وجود إرادة سياسية استثنائية قد لا تتوفر. وإذا لم تتوفر، فإن السيناريو الأكثر واقعية، إلى جانب سيناريو “الترقيع المعتاد” المذكور أعلاه، قد لا يكون الانهيار المدوي، بل “التدهور المُدار”؛ حيث تستمر الدولة في أداء وظائفها السيادية والأمنية، بينما تنزلق بقية مفاصلها الاقتصادية والاجتماعية ببطء نحو مزيد من الهشاشة، دون أن تملك القدرة على النهوض بقوة، مكتفية بإدارة شؤون “البقاء اليومي” بدلاً من “بناء المستقبل”، وتستمر في إعادة تدوير خطابات النخبة التي تبتعد عن جروح الواقع النازفة. هذا الاعتراف لا يعكس تشاؤماً، بل واقعية تجعل النقاش الوطني أكثر نضجاً، وأقل انخداعاً بشعارات النهضة السحرية، وأكثر استعداداً لمواجهة الأسئلة الصعبة التي تتجاهلها خطابات الرزاز والرفاعي

فالحكمة ليست في استيراد الحلول، بل في إنتاجها محلياً، وفي إعمال العقل الوطني لتحويل الندرة إلى قيمة مضافة، وكسر التبعية التي تجعل الأردن أسيراً لخطابات تستورد أزمات الآخرين قبل حلولهم. وهذا كله يحتاج، في النهاية، إلى التمييز بين “الأدوات السياساتية” و”الخيارات الأيديولوجية”؛ فليس المذهب هو المشكلة، بل غياب الحوكمة الرشيدة والإرادة القادرة على مواجهة شبكات المصالح دون خوف، والارتهان لخطابات التجميل التي تبتعد عن جروح الواقع النازفة، وتتجاهل أن النهضة تبدأ حين يقرر الأردنيون أن يكونوا سادة قرارهم، لا مجرد متلقين لوصفات الآخرين.

حفظ الله العباد والبلاد

فتحي صالح يونيو ٢٠٢٦

Leave A Comment

ركن الفكر للثقافة

مؤسسة فردية غير ربحية نسعى لخدمة المجتمع وتلمس احتياجاته والتوعية بقضاياه فكريا و اعلاميا و ثقافيا.