د. حاكم المحاميد
الأردن يعرف جيداً ماذا يعني أن تضطرب سوريا
قبل خمسة عشر عاماً، بدأ السوريون يعبرون الحدود هرباً من حرب اتسعت يوماً بعد يوم. جاءوا أفراداً وعائلات، ثم أصبحت الأعداد أكبر من أن تستوعبها الاستجابات المؤقتة. نشأت المخيمات، وازدادت الضغوط على المدارس والمستشفيات والمياه والبلديات وسوق العمل، وأصبحت أزمة بدأت خلف الحدود جزءاً من تفاصيل الحياة داخلها
اليوم تغير المشهد. عشرات الآلاف من السوريين يعودون إلى بلادهم، لكن اضطراب الجنوب السوري يعيد سؤالاً حسبنا أنه بدأ يغادرنا: ماذا لو أنتجت الأحداث موجة نزوح جديدة؟
السؤال لا يفترض وقوعها، ولا يستدعي الخوف. غير أن الدول التي دفعت ثمن تجربة ثقيلة لا تنتظر تكرارها حتى تفكر في احتمالاتها
السويداء في الجوار الأردني المباشر، واستقرار الجنوب السوري يعني للأردن حدوداً أكثر أمناً، وطرقاً وتجارة أكثر انتظاماً، والأهم أن يبقى السوري في بيته بدلاً من أن يجد نفسه مرة أخرى على طريق النزوح
من هنا يمكن قراءة الحضور الأردني في الملف السوري. فالأردن وسوريا يواصلان العمل على تنفيذ خارطة الطريق المتعلقة بأزمة السويداء واستقرار الجنوب، بما يشمل إعادة الخدمات، وتأمين الطرق، ووصول المساعدات وعودة السكان إلى مناطقهم
قد تبدو هذه شؤوناً سورية، لكن نتائجها تمس الأردن مباشرة. فالطريقة الأقل كلفة للتعامل مع اللاجئ المحتمل أن تتوافر له أسباب البقاء في وطنه أصلاً
وهنا تبدأ الجبهة الداخلية
فهي ليست عبارة نستدعيها عندما ترتفع أصوات المدافع، وإنما قدرة الدولة والمجتمع على منع اضطراب الجوار من التحول إلى أزمة في الاقتصاد والخدمات والأمن وحياة الناس
ولدى الأردن اليوم ما لم يكن لديه بالصورة نفسها عام 2011: الخبرة
خمسة عشر عاماً من التعامل مع اللجوء صنعت معرفة مؤسسية في الاستقبال والإيواء والصحة والتعليم والأمن والتعامل مع المنظمات الدولية. وصنعت أيضاً معرفة بالكلفة؛ فأي نزوح واسع جديد لن يكون ملف إغاثة فقط، وإنما مياه ومدارس ومستشفيات وبلديات وفرص عمل وموازنة وأمن.
لهذا ينبغي أن تكون السيناريوهات جاهزة قبل وصول الأزمة إلى الحدود: أين يمكن استقبال المدنيين إذا فرضت الأحداث ذلك؟ ما قدرة محافظات الشمال على تحمل ضغط جديد؟ ما الاحتياجات الطبية والغذائية؟ وأين تبدأ مسؤولية المجتمع الدولي؟
الأداة الثانية سياسية ودبلوماسية. استقرار سوريا مصلحة أردنية مباشرة، وكل جهد يساعد السوري على البقاء في مدينته أو العودة إلى قريته يشكل، في جانب منه، حماية للأردن نفسه. فالدبلوماسية هنا تتحول إلى خط دفاع متقدم عن الداخل
أما الأداة الثالثة فهي الحدود. القوات المسلحة راكمت خبرة طويلة على جبهة شمالية تغيرت طبيعة الأخطار حولها، من التسلل والتهريب إلى الأسلحة والمخدرات والطائرات المسيّرة. لكن الحدود الأمنية وحدها لا تحل معضلة النزوح؛ فهناك فارق بين مهرب يحاول اختراق الحدود وأسرة تصل إليها هاربة من اقتتال. الأول ملف أمني، والثانية تضع الدولة أمام مسؤولية إنسانية وحسابات أمنية واقتصادية واجتماعية في اللحظة ذاتها
وهنا يجب ألا يكرر خطأ ترك الأردن يتحمل وحده كلفة أزمة لم يصنعها
إذا فرضت المنطقة موجة إنسانية جديدة، فالمسؤولية الدولية يجب أن تبدأ منذ يومها الأول. الأردن يستطيع أن يساعد إنساناً يهرب من الخطر، وقد فعل ذلك طويلاً، لكنه بلد محدود الموارد، وتجربة السنوات الماضية تمنحه الحق في مطالبة العالم بتحمل مسؤوليته كاملة
ثم تبقى الأداة الأهم: تماسك الداخل وثقته بالدولة.
فالخطر الخارجي يصبح أشد حين يجد مجتمعاً قلقاً، ومعلومة غائبة، وإشاعة أسرع من الخبر.
وإذا لم تكن هناك موجة نزوح نقول ذلك بوضوح، وإذا تغيرت الظروف يعرف الناس ما يحدث، بعيداً عن التهوين والتهويل.
الأردن لا يستطيع تغيير جغرافيته، لكنه يستطيع أن يتعلم منها
والمشهد الذي نريد الحفاظ عليه اليوم هو أن يبقى الطريق بين الأردن وسوريا طريق عودة للسوريين إلى بلادهم، وألا يزدحم مرة أخرى في الاتجاه المعاكس.
لهذا لا تبدأ حماية الجبهة الداخلية عند الساتر الحدودي فقط
تبدأ في الجنوب السوري حين يستقر بيت، ويأمن طريق، وتعود قرية، وفي دبلوماسية أردنية تعرف أن معالجة الأزمة في مكانها أقل كلفة من انتظار وصول آثارها.
لقد دفع السوري ثمناً هائلاً حين غادر بيته، ودفع الأردن جزءاً من ثمن أزمة لم يصنعها.
والدرس الذي لا ينبغي أن نتعلمه مرتين، أن أكثر ما يحمي الأردن، وأكثر ما يحمي السوري، أن تبقى أسباب الحياة أقوى من أسباب الرحيل…
حتى لا تعبر الأزمة الحدود.

Leave A Comment

ركن الفكر للثقافة

مؤسسة فردية غير ربحية نسعى لخدمة المجتمع وتلمس احتياجاته والتوعية بقضاياه فكريا و اعلاميا و ثقافيا.