واحة أيلة… حين يصبح الاستثمار شريكا في نهضة العقبة. بقلم الصحفي الدكتور عبدالمهدي القطامين
في العقبة لا يمكن النظر إلى المشاريع الاستثمارية الكبرى على انها مجرد مبانٍ ومنشآت ومخططات عمرانية لكن ينبغي وهكذا يفترض ان تكون جزءًا من روح المدينة و مجتمعها وناسها لتتحول من استثمار اقتصادي إلى قيمة مضافة حقيقية في مسيرة التنمية
ومن هذا المنظور تبرز شركة واحة أيلة للتطوير بوصفها واحدة من التجارب الاستثمارية التي تستحق التوقف عندها ليس فقط بحجم المشروع وما أحدثه من تحول عمراني وسياحي وثقافي وإنما أيضا بطبيعة حضورها في المجتمع المحلي وبالطريقة التي تعاملت بها مع مسؤوليتها تجاه العقبة وأهلها
المسؤولية المجتمعية طما تقول ادبيات هذا المصطلح أبعد من مفهوم التبرع
لذلك لم تتوقف المسؤولية المجتمعية لدى ايله عند تقديم الدعم المالي لبعض المبادرات وإنما اتخذ صورة أكثر شمولا واتساعا
في الحضور الثقافي ودعم الشباب، والأنشطة الرياضية، والفعاليات المجتمعية والمبادرات التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع وهذه كلها تشكل في مجموعها رؤية تقول إن الاستثمار الحقيقي لا ينفصل عن البيئة الاجتماعية التي تحتضنه
وهنا تكمن أهمية التجربة فالمجتمع لا يريد من الشركات الكبرى أن تكون مجرد جهات مانحة بل يريدها شريكا في صناعة الحياة وداعما للمواهب ومساحةً للقاء، ومحركا للنشاط الثقافي والرياضي والشبابي
وهذا بالضبط ما جعل أيلة مع مرور الوقت الاكثر حضورا في المشهد العام للعقبة

ولعل من أكثر الجوانب أهمية في تجربة أيلة أنها لم تجعل من مشروعها مساحة مغلقة على المستثمرين والسكان والزوار بل فتحت جزءًا مهما من فضائها أمام المجتمع في حراك دائم جعلها الاكثر حيوية في خدمة المجتمع لانها وعبر وملاكها وادارتها الحصيفة تدرك
ان المشاريع الاستثمارية الكبرى تتحول إذا عزلت نفسها عن محيطها، إلى جزر عمرانية مغلقة صحيح انها قد تكون جميلة ومبهرة لكنها بعيدة عن نبض المدينة وعن لحظات تأمل سكانها واخلادهم للراحة في زمن صاخب أما حين تفتح أبوابها أمام الناس، وتحتضن الفعاليات العامة وتصبح مواقعها فضاءات للرياضة والثقافة والترفيه والفعاليات فإنها تتحول إلى جزء من المشهد الحضري والاجتماعي والسياحي للمدينة التي تعج بالناس الزوار والسياح
وفي تقديري فإن هذا الانفتاح هو أحد أهم عناصر النجاح في علاقة أيلة بالمجتمع العقباوي لأن العقبة في النهاية ليست مجموعة مشاريع منفصلة وإنما مدينة واحدة ومصلحة المدينة تقتضي أن تتكامل مكوناتها بدل أن تتمترس خلف أسوارها

الزائر الذي يأتي إلى العقبة يبحث عن أكثر من مكان للإقامة يريد أن يرى الحياة ويشارك في الفعاليات ويجد أمامه خيارات ثقافية ورياضية وترفيهية، ويعيش المدينة بكل تفاصيلها لا أن يراقبها من نافذة الفندق
ومن هنا تأتي أهمية الفعاليات والأنشطة الدورية التي تستضيفها أيلة أو تنظمها أو تسهم في دعمها؛ لأنها تضيف إلى المنتج السياحي في العقبة عناصر جديدة وتساعد على جذب الزوار وتنشيط الحركة وإطالة زمن التجربة السياحية.
فالفعالية الرياضية والحدث الثقافي والنشاط المجتمعي والمهرجان، والأنشطة الموجهة للشباب كلها تتحول بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أدوات لتنشيط السياحة والاقتصاد المحلي
وهذه نقطة تستحق مزيدًا من الاهتمام من مختلف المؤسسات في العقبة: أن ننتقل من مفهوم السياحة باعتبارها موسما ثم يمضي إلى مفهوم يعتبرها حياة مستمرة وفعاليات متواصلة

هناك جانب آخر في تجربة أيلة لا ينبغي إغفاله، وهو أنها تمثل نموذجا لمشروع رأسمالي وطني كبير بدأ بفكرة ومخططات ورؤى بعيدة المدى، ثم أخذ طريقه إلى التنفيذ.
وما زلت اتذكر جيدا كيف كانت المخططات والصور والتصورات التي تتحدث عن مستقبل المنطقة تبدو في سنواتها الأولى وكأنها حلم كبير مرسوم على الورق وقتها كان مديرها النشمي سهل دودين يستعرض امامنا كصحافة ما سيكون عليه المشروع وما سينفذ ولأن النفس امارة بالسوء كان البعض منا يهمهم بعبارات تشير الى استحالة التنفيذ كما هو مخطط ومتوقع
لكن قيمة أي مشروع لا تقاس بما وعد به في بدايته، وإنما بما يتحول منه إلى واقع
وقد استطاعت أيلة أن تقدم نموذجا واضحا على التزام الاستثمار بمخططاته ورؤيته التطويرية، وأن تنقل الصورة التي كانت تُعرض على الورق إلى واقع عمراني وسياحي واقتصادي ملموس في العقبة وهذا بحد ذاته رسالة مهمة للمستثمرين وللمدن التي تستقبل المشاريع الكبرى: الثقة بين المجتمع والاستثمار تُبنى عندما يرى الناس ما وعدوا به يتحول إلى واقع وهذا ما فعلته ايله فهي لم تضف فقط مكونات عمرانية جديدة إلى العقبة وإنما أسهمت في تغيير جزء من صورة المدينة الاستثمارية والسياحية وقدمت نموذجا واقعيا مشرفا في العلاقة بين رأس المال والمسؤولية المجتمعية والمدينة
والأهم أنها تقول لنا إن المشروع الاستثماري الكبير يستطيع أن يكون مربحا للمستثمر، ومفيدا للمجتمع، وداعما للسياحة، ومحركا للنشاط الثقافي والرياضي والشبابي في الوقت نفسه.
وهذه هي المعادلة التي تحتاجها العقبة اليوم أكثر من أي وقت مضى
استثمار لا يعيش بعيدا عن المدينة ومسؤولية مجتمعية لا تكتفي بالدعم وسياحة لا تتوقف عند الفنادق، ومدينة تفتح أبوابها للاستثمار دون أن تغلق أبوابها أمام مجتمعها
أجمل ما في تجربة واحة أيلة أنها جعلت أبناء العقبة يشاهدون بأعينهم كيف يمكن لفكرة كبيرة أن تنتقل من خطوط على الورق ومن مخططات انيقة ثلاثية الابعاد إلى مساحة حية تنبض بالناس والرياضة والثقافة والسياحة والاستثمار وهذا ليس إنجازا عابرا في مدينة مثل العقبة لكنه فصل مهم من قصة تطورها الحديثة

Leave A Comment

ركن الفكر للثقافة

مؤسسة فردية غير ربحية نسعى لخدمة المجتمع وتلمس احتياجاته والتوعية بقضاياه فكريا و اعلاميا و ثقافيا.